كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 244
وَيقسمها على جزءين، ثم يتفرع على أعصاب صغيرة تتجه اتجاهات مختلفة وهي المسماة بالأوردة، وهذه تكون شبكة الورقة وفي بعض الأحوال هذه الأوعية تخرج من حافة الورقة وتكون شوكا واخزا جدا كما في شرابة الراعي وغيرها، ووظائف الأوراق كأنها عضو التنفس للنبات؛ لأنها تشترك في تغذية النبات، ولو لا ذلك لما صلح غذاء النبات لأنها في الحقيقة تمتص من الجو الأصول المغذية التي توجد فيه فيحصل بواسطتها تأثير عظيم في الأصول المذكورة فتحلل تركيبها وتنوعها بالكلية، ثم تطرد المواد الغير النافعة للتغذية إلى الخارج فلما وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل، وعرفت أيضا أن عنايته في تكوين جملة النبات أتم ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل وأتم، ولما علمت وأن المقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان عملت أن عنايته بتخليق الإنسان، أعظم وأكمل وأتم، ثم إنه تعالى إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده، والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة كما قال تعالى: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56) [الذّاريات: الآية 56] . فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة واعرف كيفية تخليق تلك العروق والأوتار فيها، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية، فحينئذ ينفتح عليك باب من المكاشفات لا آخر له وفضل اللّه تعالى وعطاؤه واسع يظهر لك أن أنواع نعم اللّه تعالى في حقك غير متناهية كما قال تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها) [إبراهيم: الآية 34] . وكل ذلك إنما يظهر من التأمل والفحص في كيفية تخليق تلك الورقة من الحبة أو النواة وفي
هذا البحث مسائل:
(اعلم) أن كل شيء ينبت من الأرض إما أن يكون له ساق، وإما أن لا يكون له ساق، فإن لم يكن له ساق، فإما أن يكون له كمام وهو الحب، وإما أن لا يكون له كمام وهو الحشيش، وهو المراد هاهنا بقوله:
وَنَباتًا) [النّبإ: الآية 15] . وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى: (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ) [طه: الآية 54] . وأما الذي له ساق فهو الشجر، فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنات فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة، وإنما قدم اللّه تعالى الحب؛ لأنه هو الأصل في الغذاء، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه، وإنما أخر الجنات في الذكر، لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية، وهاهنا نذكر الفصائل