كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 243
إلى آخرها تفسير ابن عباس الزرع هاهنا بجميع الحبوب التي يقتات بها والدليل عليه قوله تعالى: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا) [يوسف: الآية 47] . إلى آخرها وقوله: (إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى) [الأنعام: الآية 95] . إلى آخرها وفيه قولان.
(الأول) : ما روى عن ابن عباس وهو قول الضحاك ومقاتل: فالق الحب والنوى أي خالق الحب والنوى قال الواحدي: ذهبوا بفالق الحب مذهب فاطر وأقول: الفطر هو الشق وكذلك، الفلق فالشيء قبل أن يدخل في الوجود كان عدما محضا ونفيا صرفا، والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق ولا انشقاق، فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه، وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق فبهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمحدث والمبدع.
(والقول الثاني) : وهو قول الأكثر: إن الفلق هو الشق والحب هو الذي يكون مقصودا بذاته مثل حب الحنطة والشعير وسائر الأنواع، والنوى هو الشيء الموجود في داخل الثمر مثل نوى الخوخ والتمر وغيرهما، إذا عرفت ذلك فنقول: إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة، ثم مر بها قدر من المدة أظهر اللّه تعالى في تلك الحبة أو النواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا، فالذي من أعلاها تخرج من الريشة التي يتكون منها الساق، والذي من أسفلها تنبت منه الحلمة التي يتكون منها الجذر وهذا قد تقدم ذكره في كيفية الإنبات، وأيضا فقد أودع الخالق في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى ومنفعة أخرى، وأيضا فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان وسما لحيوان آخر، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال مع الطبائع وتأثيرات الكواكب يدل على أنها كلها إنما حصلت بتخليق الفاعل المختار، ولنبين لك اختلاف الصفات والأشكال فنقول: إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت لها سطحين:
(أحدهما) : علوي أملس ذو لون أخضر داكن مغطى ببشرة شديدة الالتصاق تظهر فيها مسام قشرية قليلا بالنسبة للسطح السفلي.
(وثانيهما) : السطح السفلي وهو مغطى بوبر غالبا ولونه، يكون ناصعا بالنسبة للسطح العلوي، وبشرته قليلة الالتصاق بالمنسوج الخلوي، وهذا السطح مغطى عادة بفتحات صغيرة تسمى بالمسام القشرية وتوجد فيه أيضا الخطوط الواضحة التي تسمى بالأعصاب وليست الأعضاء المذكورة إلا استطالة من الذنيب، ويمكن الوقوف على حقيقة ذلك إذا أمعنا النظر وكان الفحص بانتباه، ففي الحقيقة أنه يوجد عصب متوسط يمر في جميع طول الورقة