فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 170

أدرك مطلوبه من زكى نفسه بأن طهرها بفعل الطاعة ومجانبة المعصية. (والثاني) : قد أفلح من زكاها اللّه، وقبل القاضي البيضاوي هذا التأويل، وقال: (المراد منه أن اللّه حكم بتزكيتها، وسماها بذلك كما يقال في العرف، أن فلانا يزكي فلانا ثم قال: والأول أقرب؛ لأن ذكر النفس قد تقدم ظاهر وإفراد الضمير العائد عليه، فهو أولى من رده على ما هو في حكم المذكور(واعلم) أنا قد دللنا بالبرهان القاطع أن المراد بألهمها ما ذكرناه، فوجب حمل اللفظ عليه، وأما قوله: (بأن هذا محمول على الحكم والسبحية فهو ضعيف؛ لأن بناء التفعيلات على التكوين، ثم لو سلمنا ذلك لكان ما حكم اللّه به يمتنع تغيره؛ لأن تغير المحكوم يستلزم تغير الحكم من الصدق إلى الكذب، وتغير العلم إلى الجهل، وذلك محال، والمفضي على المحال محال، وأما قوله: (لأن ذكر النفس قد تقدم. فنقول: هذا بالعكس أولى، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن عود الضمير على الأقرب أولى من عوده إلى الأبعد، فقوله:(فَأَلْهَمَها) [الشّمس: الآية 8] . أعود ضميره إلى قوله: (ما) [المسد:

الآية 2]. أقرب منه إلى قوله: (وَنَفْسٍ) [الشّمس: الآية 7] . فكان الترجيح لما ذكرناه، ومما يؤكد هذا التأويل ما رواه الواحدي في البسط عن سعيد بن أبي هلال أنه- عليه السّلام- كان إذا قرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) [الشّمس: الآية 9] وقف وقال: (اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها، وأنت مولاها وزكها أنت خير من زكاها.

«المقالة الثالثة والعشرون» في قوله تعالى: (وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا(9)[النّبإ: الآية 9]»

طعن بعض الملاحدة في هذه الآية، فقالوا: السبات هو النوم. والمعنى وجعلنا نومكم نوما (واعلم) أن العلماء ذكروا في التأويل وجوها: (أولها) : قال الزجاج سباتا موتا، والمسبوب الميت من السبت وهو القطع؛ لأنه مقطوع عن الحركة، ودليله أمران:

(أحدهما) : قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: الآية 60] . إلى قوله: (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ) [الأنعام: الآية 60] . (والثاني) : أنه لما جعل النوم موتا جعل اليقظة معاشا أي حياة في قوله: (وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا(11) [النّبإ: الآية 11] ، ففسره هنا، وهذا القول عندي ضعيف، لأن الأشياء المذكورة في هذه الآية من جلائل النعم، فلا تليق بالموت، وأيضا ليس المراد بكونه موتا أن الروح انقطع عن البدن، بل المراد منه انقطاع أثر الحواس الظاهرة واحدا بعد واحد فأول ما ينام العين، ثم السمع ثم اللمس على ما يأتي على الأثر شرحه، وهذا هو النوم، ويصير حاصل الكلام إلى إنا جعلنا نومكم نوما. (وثانيها) : قال الليث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت