كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 314
دفعة لاحتلت المصالح، ولكن قبضها يسيرا يسيرا يفيد معه أنواع مصالح العالم، والمراد بالقبض الإزالة والإعدام
(المسألة الرابعة) :
هو أنه سبحانه وتعالى لما خلق الأرض والسماء وقع الظل على الأرض كما قلنا، ثم خلق الشمس دليلا عليه، وذلك لأنه بحسب حركات الاضواء تتحرك الأظلال فإنهما متعاقبان متلازمان لا واسطة بينهما فبمقدار ما يزداد أحدهما ينقص الآخر، وكما أن المهتدي يهتدي بالهادي والدليل يلازمه، فكذا الأظلال كأنها مهتدية وملازمة للأضواء، فلهذا جعل الشمس دليلا عليها.
وأما قوله: (ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا(46) [الفرقان: الآية 46] . فإما أن يكون المراد منه انتهاء الأظلال يسيرا يسيرا إلى غاية نقصانها كما تقدم، فسمى إزالة الأظلال قبضا لها، أو يكون المراد من قبضها يسيرا قبضها عند قيام الساعة، وذلك بقبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقى الأظلال وقوله: (يَسِيرًا) [الانشقاق: الآية 8] . هو كقوله: (ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا(46) [الفرقان: الآية 46] .
(المسألة الخامسة) :
وجه الاستدلال به على وجود الصانع المحسن أن حصول الظل أمر نافع للاحياء والعقلاء، وأما حصول الضوء الخالص أو الظلمة الخالصة فهو ليس من باب المنافع، فحصول ذلك الظل إما أن يكون من الواجبات أو الجائزات، والأول باطل وإلا لما تطرق التغير إليه؛ لأن الواجب لا يتغير، فوجب أن يكون من الجائزات فلا بد له في وجوده بعد العدم، وعدمه بعد الوجود من صانع قادر مدبر محسن يقدره بالوجه النافع وما ذاك إلا من يقدر على تحريك الأجرام العلوية، وتدبير الأجسام الفلكية، وترتيبها على الوصف الأحسن والتربيب الأكمل، وما هو الا اللّه سبحانه وتعالى، فإن قيل: الظل عبارة عن عدم الضوء عما من شأنه أن يضيء، فكيف استدل بالأمر العدمي على ذاته، وكيف عده من النعم قلنا: الظل ليس عدما محضا بل أضواء مخلوطة بظلم.
والتحقيق أن الظل عبارة عن الضوء الثاني، وهو أمر وجودي، وفي تحقيقه وبسطه كلام دقيق في عالم الخيال. واللّه الموفق ذو الإكرام والجلال.