فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 313

(الوجه الأول) :

أن الظل هو الامر المتوسط بين الضوء الخالص وبين الظلمة الخالصة وهو ما بين ظهور الفجر إلى طلوع الشمس وكذا الكيفيات الحاصلة داخل الأسقف وأفنية الجدران، وهذه الحالة أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس وإن الضوء الخالص:

وهو الكيفية الفائضة من الشمس، فهي لقوتها تبهر الحس والبصرى وتفيده السخونة القوية، وهي مؤذية فإذا أطيب الاحوال هو الظل، ولذلك وصف الجنة به فقال تعالى: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ(30) [الواقعة: الآية 30] .

واذا ثبت هذا فنقول: إنه سبحانه وتعالى بين أنه من النعم العظيمة والمنافع الجليلة، ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئا سوى الجسم وسوى اللون، فنقول: الظل ليس أمرا ثالثا، ولا يعرف به إلا أنه إذا طلعت الشمس، ووقع ضوؤها على الجسم حصل ذلك الظل، فلو لا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودا وماهية؛ لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فلو لا الشمس لما عرف الظل، ولو لا الظلمة لما عرف النور، فكأنه سبحانه وتعالى لما بدأ بخلق الأرض كانت الكتلة المصورة للأرض ثلاث طبقات:

فالأولى: كانت سائلا ثقيلا كثيفا معتما.

والثانية: دخانا أسود.

والثالثة:- أي العليا- كانت بخارا كبخار الماء، فلما تكون الجزء الجامد خفت الظلمة، فخلق اللّه سبحانه وتعالى الكواكب والشمس والقمر، ووقع الظل على الأرض، ثم إنه سبحانه وتعالى خلق الشمس دليلا عليه.

(الوجه الثاني) : أن اللّه- سبحانه وتعالى- لما أطلع الشمس على الأرض وزال الظل، فحينئذ ظهر للعقول: أن الظل كيفية زائدة على الجسم، واللون، فلهذا قال سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) [الفرقان: الآية 45] . أي خلقنا الظل أولا بما فيه من المنافع واللذات، ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده بأن أطلعنا الشمس، فكانت الشمس دليلا على وجود هذه النعمة، فلذلك قال تعالى بعده: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (46) [الفرقان: الآية 46] . أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيرا يسيرا، فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد انقصان الظل في جانب المغرب، ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة بل يسيرا يسيرا كان زوال الاظلال كذلك لا يكون دفعة بل يسيرا يسيرا؛ ولأن قبض الظل لو حصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت