كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 18
مسنون، ثم من صلصال كالفخار، ولا شكّ أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل هو قادر على خلقه ابتداء من غير شيء، وإنما خلقه على هذا الوجه، إما لمحض المشيئة، وإما لما في ذلك من دلالة الملائكة على الاعتراف بقدرته، وفي ذلك كمال معرفتهم وزيادة مصلحتهم؛ لأن خلق الإنسان من هذه الأشياء أعجب من خلقه من شكله وجنسه.
[المسألة الثالثة: في إجمال تفسير الآية السابقة وكيفية تصور آدم عليه السلام كهيئة الصور]
المسألة الثالثة:
في إجمال تفسير الآية السابقة وهي قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ) [الحجر:
الآية 26]إلى آخرها، أي هذا النوع الإنساني خلقنا أصله وأول فرد من أفراده خلقا بديعا منطويا على خلق سائر أفراده انطواء إجماليا من صلصال من طين يابس غير مطبوخ يصلل، أي بصوت عند نقره إذا نقر عليه. وقوله: (مِنْ حَمَإٍ) [الحجر: الآية 26] . أي من طين تغير واسود بطول مجاورة الماء، وهو صفة لصلصال، أي من صلصال كائن من حمأ مسنون، أي مصور من سنة الوجه، وهي صورته، أو مصبوب من سن الماء صبه، أي مفرغ على هيئة الإنسان، كما تفرغ الصور من الجواهر في القوالب، وقيل: منتن. فهو صفة لحمأ، وعلى الأولين حقه أن يكون صفة لصلصال، وإنما أخر عن حمأ تنبيها على أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالا، بل في حال كونه حمأ، كأنه سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال الإنسان أجوف، فيبس حتى إذا نقر صوت، ثم غيره إلى جوهر آخر، وذلك الجوهر على ما قيل مادة لحمية غروية، فتنوعت فنشأ منها جميع الجسم، فتبارك اللّه أحسن الخالقين.
«في بيان هذه المادة اللحمية الغروية» : وفيه مباحث:
المبحث الأول: «في تشكيل هذه المادة» :
قال علماء هذا الفن- وهم الطبيعيون-: إن أول هذه المادّة كان جوهرا متماثلا، ثم بعد مدّة تشكل بثلاثة أشكال متميزة عن بعضها، تكونت منها البنية الحيوانية، وتلك الأشكال هي المادّة الغروية والمادّة الليفية والزلالية، وكل منها يتكوّن منه جملة أنسجة، فأما المادّة الغروية التي يظهر أنها أكثر بساطة من الليفية والزلالية وهي مولدة لهما، فهي منتشرة في جميع الأعضاء؛ لأن منها يتكون أساس النسج الخلوي الذي هو أوّل ما يظهر في ابتداء نمو البنية، وتتكوّن في وسطه الأعضاء، ويربط بعضها ببعض، والعظام التي هي دعائم الجسم تتكون من تلك المادّة، وأما المادّة الليفية التي هي أكثر أجزاء الدم، فهي المكونة للحم بخلقه تعالى،