كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 236
السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا) [فصّلت: الآية 12] . المعنى وحفظناها حفظا قال الزجاج:
نصب قوله وزينة على أنه مفعول له والمعنى وخلقها للزينة.
[المسألة الثانية احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل إلى آخر ما ذكر هنا]
(المسألة الثانية) : احتج القائلون بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية فقالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلو كان أكل لحم الخيل جائز لكان هذه المعنى أولى بالذكر وحيث لم يذكره اللّه تعالى علمنا أنه يحرم أكله، ويمكن أيضا أن يقوى هذا الاستدلال الأول من وجه آخر فيقال: إنه تعالى قال في صفة الأنعام، ومنها تأكلون، وهذه الكلمة للحصر فيقتضي أن لا يجوز الأكل من غير الأنعام، فوجب أن يحرم أكل لحم الخيل بمقتضى هذا الحصر، ثم إنه تعالى بعد هذا الكلام ذكر الخيل والبغل والحمير، وذكر أنها مخلوقة للركوب، فهذا يقتضي أن منفعة الأكل مخصوصة بالأنعام، وغير حاصلة في هذه الأشياء، ويمكن الاستدلال بهذه الآية من وجه ثالث، وهو أن قوله: (لِتَرْكَبُوها) [النّحل: الآية 8] . يقتضي أن تمام المقصود من خلق هذه الأشياء الثلاثة هو الركوب والزينة، ولو حل أكلها لما كان تمام المقصود من خلقها هو الركوب، بل حل أكلها أيضا مقصودا وحينئذ يخرج جواز ركوبها عن أن يكون تمام المقصود بل يصير بعض المقصود (وأجاب الواحدي) بجواب في غاية الحسن فقال: لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذه الحيوانات لكان تحريم أكلها معلوما في مكة لأجل أن هذه السورة مكية، ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامة المفسرين والمحدثين: أن لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر باطلا؛ لأن التحريم لما كان حاصلا قبل هذا اليوم لم يبق لتخصيص هذا التحريم لهذه الشبهة فائدة وهذا الجواب حسن متين.
[المسألة الثالثة في بيان القائلين بأن أفعال اللّه معللة بالمصالح]
(المسألة الثالثة) : القائلون: بأن أفعال اللّه معللة بالمصالح والحكم احتجوا بظاهر هذه الآية، فإنه يقتضي أن هذه الحيوانات مخلوقة لأجل المنفعة الفلانية ونظيره قوله: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) [إبراهيم: الآية 1] . وقوله: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56) [الذّاريات: الآية 56] . والكلام فيه معلوم.
[المسألة الرابعة لقائل أن يقول: لما كان معنى الآية ... إلخ]
(المسألة الرابعة) : لقائل أن يقول: لما كان معنى الآية أنه تعالى خلق الخيل والبغل والحمير لتركبوها، وليجعلها زينة لكم، فلم ترك هذه العبارة؟ وجوابه أنه تعالى لو ذكر هذا الكلام بهذه العبارة صار المعنى أن التزين بها أحد الأمور المعتبرة في المقصود، وذلك غير جائز؛ لأن التزين بالشيء يورث العجب والتيه والتكبر، وهذه أخلاق مذمومة، واللّه تعالى نهى عنها وزجر، فكيف يقول: إني خلقت هذه الحيوانات لتحصل هذه المعاني بل قال:
خلقها لتركبوها، فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الأعباء والمشقة، وأما التزين بها فهو