كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 174
من فضل ربه، ولهذا قرن الابتغاء بالفضل في كثير من المواضع منها قوله تعالى: (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [الجمعة: الآية 10] . وقوله:
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) [النّحل: الآية 14] . وقوله: (مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ) [الرّوم: الآية 23] قدم المنام بالليل على الابتغاء بالنهار في الذكر؛ لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها، والطلب لا يكون إلا لحاجة فلا يتعب إلا محتاج في الحال، أو خائف من المآل، وقوله: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) [يونس: الآية 67] . وقوله تعالى في موضع آخر: القوم يَتَفَكَّرُونَ) [يونس: الآية 24] . وفي آخر لِلْعالَمِينَ) [الفرقان: الآية 1] فما الحكمة في ذلك؟ فنقول: المنام بالليل والابتغاء من فضله يظن الجاهل أو الفاعل إنهما مما يقتضه طبع الحيوان فلا يظهر لكل أحد كونهما من نعم اللّه تعالى فلم يقل آيات للعالمين؛ ولأن الأمرين الأولين، وهما اختلاف الألسنة والألوان من اللوازم والمنام والابتغاء من الأمور المفارقة، فالنظر إليهما لا يود لزوالهما في بعض الأوقات، ولا كذلك اختلاف الألسنة والألوان فإنهما يدومان بدوام الإنسان، فجعلهما آيات عامة، وأما قوله: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس: الآية 24] . فاعلم أن من الأشياء ما يعلم من غير تفكر، ومنها ما يكفي فيه مجرد الفكرة، ومنها ما لا يخرج بالفكر، بل ما يحتاج على موقف ويتفق عليه، ومرشد يرشد إليه، فيفهمه إذا سمعه من ذلك المرشد، ومنها ما يحتاج بعض الناس في تفهمه إلى أمثلة حسية كالأشكال الهندسية، لكن خلق الأزواج لا يقع أحد؛ لأنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكر خامدا الذكر إذا تفكر علم كون ذلك الخلق آية وأما المنام والابتغاء فقد يقع لكثير لأنهما من أفعال العباد، وقد يحتاج إلى مرشد بغير فكرة فقال: لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) [يونس: الآية 67] ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد وينظرون في كيفية اليقظة والنوم ما محلهما وخواصهما على ما تقدم بيانه وزمنه،
[زمان النوم وهيئته وفيه مباحث اربعة]
وفيه مباحث:
«المبحث الأول في زمن النوم المختلف في الأشخاص» :
اعلم أن النوم لا يمكن أن يعين له حد معين؛ لأنه يكون على حسب ما ذهب من قوي الجسم، وأكثر الناس حاجة لطول النوم الذين يكون فيهم قابلية للتهيج، وحركاتهم وحواسهم متزايدة في التعب، وهؤلاء كلما طال النوم الذين حسنت صحتهم، فلا ينبغي أن يناموا أقل من ثمان ساعات بخلاف الذين أبدانهم رخوة وبنيتهم لينفاوية، والمخ فيهم قليل التأثر، ولا يحصل منه إلا أفعال قليلة فإنه يمكنهم بدون عارض أن يسهروا كثيرا، ويكفيهم في النوم ست ساعات، وسرعة ذهاب التنبه في الأطفال هو الذي يصيرهم محتاجين للنوم غالبا، فينبغي أن يترك الطفل لينام متى ظهرت حاجته للنوم من ليل أو نهار، وهذه هي الواسطة الأكيدة في