كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 178
«المبحث الثالث» : [عدم جواز الافتخار بعدم التقوى]
إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بعدم التقوى؛ لأنه خارج عن العقل وداخل في التولعات، فهل لقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْناكُمْ ... ) [الحجرات: الآية 13] إلى آخرها فائدة نقول: نعم. وذلك لأن كل شيء يترجح على غيره، فإما أن يترجح بأمر فيه يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله، والذي بعده كالحسن والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء، والذي قبله فإما راجع إلى الأصل الذي وجد منه أو إلى الفاعل الذي هو له أوجدكما يقال في إناءين هذا من نحاس وهذا من فضة. ويقال: هذا عمل فلان وهذا عمل فلان. فكأنه قال تعالى: (لا ترجيح فيما خلقتم منه؛ لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بالنظر إلى جاعلكم؛ لأنكم كلكم خلقكم اللّه تعالى، فإن كان بينكم تفاوت فإنما يكون بأمور تلحقكم وتحصل بعد وجودكم وأشرفها التقوى والقرب من اللّه تعالى، ثم قال تعالى:(وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا) [الحجرات: الآية 13] . متفرقة لا يدري من يجمعكم كالعجم، وقبائل يجمعكم واحد معلوم كالعرب.
(وثانيهما) : جعلناكم شعوبا داخلين في قبائل، فإن القبيلة تحتها شعوب وتحت الشعوب البطون وتحت البطون الأفخاذ وتحت الأفخاذ الفصائل وتحت الفصائل الأقارب، وذكر الأعم؛ لأنه أذهب للافتخار؛ لأن الأمر الأعم منها يدخله الأخص كما قد بين علماء الكائنات أن الأرض معمورة بعد الطوفان بأولاد نوح عليه السّلام وهم ثلاثة: سام وحام ويافث؛ فأولاد سام قد عمروا الجزء الجنوبي من بلاد آسيا، وأولاد حام عمروا بلاد إفريقيا، وأولاد يافث عمروا بلاد أوروبا، والجزء الشمالي من بلاد آسيا، وأما بلاد أمريقا وبلاد الأقيانيوسيا فإنها عمرت من بلاد آسيا وإفريقيا بانتقال بعض الناس إليها ونزولهم بها، وقد قسم بعضهم أجناس البشر إلى ثلاثة أصلية يمتاز بعضها عن بعض، وهي الجنس الأبيض المسمى القوقاسي نسبة إلى قوقاس، وهو جبل بلاد الجركس ويسمى كوّة قاف، والجنس الأصفر أو المغولي نسبة إلى المغول وهم التتار، والثالث الجنس الزنجي أو السوداني، وزاد بعض المؤلفين جنسين وهما الملياري والأمريقي، فتكون حينئذ خمسة أجناس مختلفة، فالجنس القوقاسي يمتاز بحسن تدوير الرأس على شكل البيضة، وإنما سمي قوقاسيا؛ لأن الأخبار تدل على أنه ينسب على جبل قوقاس الذي هو مسكون الآن بأجمل أمم الدنيا وهم الجراكسة والكرج، ومن هذا الجنس تولدت الأمم التي تغلبت على غيرها، ويتفرع عن هذا الجنس عدة فروع، فمنها الفرع الأريمي، أي الشامي، ومن هذا الفرع تولد قدماء ديار بكر والعراق والعرب والصوريون واليهود والحبشة وقدماء المصريين كما استظهره بعضهم، ومنها