كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 214
[الرّحمن: الآية 22] . (الثاني) : أن الدبيب هو الحركة، والملائكة عليهم السّلام لهم حركة. (الثالث) : لا يبعد أن يقال: إنه تعالى خلق في السماوات أنواعا من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض. (الرابع) : قالت الحكماء: هل الكواكب مسكونة أم لا؟ صنف في هذه المسألة مؤلفات كثيرة، ومع ذلك يقرب للعقل أنه لا يمكن حله بدليل قطعي، سيما على وجه الإيجاب والإثبات إذا أريد بكونها مسكونة بذوات مشابهة لنا، أو لما هو محيط بنا، ولو فرض وجود سكان في كوكب المشرق الذي هو الزهرة مثلا، أو في المشترى الممتلئ بأشرطته المتحركة، وبأقماره الأربعة، أو في زحل المحاط بحلقة أو في غير ذلك يلزم نعترف بأن هؤلاء الناس ممتعون بمنظر جميل رفيع القدر، أو سماء متنوعة المنتزهات، وأشرف من سمائنا، وقد عرض هذا البحث لكثرة الآراء والأقوال واختلاف الحدس والتخمين، وقالوا أيضا: ويشاهد في سطح القمر بالآلات الفلكية المعظمة بقع ونكت كثيرة لا تتغير ولا تختلف كميتها ولا مقاديرها، من ذلك استنتج ما ذكرناه من أننا لا نشاهد دائما إلا نصفه المحاذي لنا فقط، وبعض تلك النكت حسبما تقتضيه حوادثها حاصل من ظل المرتفعات العظيمة الموجودة فيه، أعني الجبال التي منها ما يبلغ ارتفاعه ثمانية آلاف متر، وبعضها ناشئ من تجاويف وحفر لم يعلم غورها ومن جبال القمر ما هو براكين، أي جبال نيران تقذف نارا فوقها تساوي أو تزيد عن قوة براكين الأرض، والظاهر أنها مثلها في اختلاف زمن الثوران وشدته، وإذا كان القمر مسكونا بأشخاص شبيهة بنا، فأي منظر بهي تبديه الأرض لهم إذ تعرض لهم جميع أسطحتها في مدة أربع وعشرين ساعة مع كون قطرها أكبر من قطر القمر الممتلئ بثلاث مرات، وضوئها أقوى من ضوئه بثلاث عشرة مرة، وجميع ما ينسب لكرتنا من الكائنات الجوية المضيئة، والبحار والأنهر، والأراضي الناشفة، والغابات والأقطار القطبية، والجبال المفروشة بالثلج، والجليد المستدام يغير وينوع لهم منظر هذه القرى العظيمة النيرة التي يلزم على ذلك أن القمر يستفيد نوره منها، وكثرة الأقوال واختلاف الحدس والتخمين، ومناقشتنا لها هنا يخرجنا عن غايتنا في هذا المختصر،
[بيان قوله تعالى: (وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ]
ثم قال تعالى: (وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ) [الشّورى: الآية 29] . قال صاحب الكشاف: إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي قال تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى(1) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (2) [الليل: الآيتان 1، 2] . ومنه إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ) [الشّورى: الآية 29] ، والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة لا لعجز، ولكن لمصلحة؛ فلهذا قال: وهو على جهنم إذا يشاء قدير.
يعني الجمع للحشر والمحاسبة، وإنما قال على جمعهم ولم يقل على جمعها لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة، فكأنه تعالى قال: وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير، واحتج الجبائي بقوله: (إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ) [الشّورى: الآية 29] . على أن مشيئته تعالى