كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 261
(المسألة الثانية) في الجوارح قولان:
(أحدهما) : أنها الكواسب من الطير، والسباع، واحدها جارحة سميت جوارح؛ لأنها كواسب من جرح واجترح إذا اكتسب قال تعالى: (الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ) [الجاثية:
الآية 21]. أي اكتسبوا، وقال تعالى: (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) [الأنعام: الآية 60] . أي ما كسبتم. (والثاني) إن الجوارح هي التي تجرح وقالوا: إن ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.
(المسألة الثالثة) : نقل عن ابن عمرو الضحاك أن ما صاده غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله
، وتمسكوا بقوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ) [المائدة: الآية 4] . قالوا: لأن التخصيص يدل على كون هذا الحكم مخصوصا به، وزعم الجمهور أن قوله: (وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ) [المائدة: الآية 4] . يدخل فيه كل ما يمكن الاصطياد به كالفهد والسباع من الطير؛ مثل الشاهين والباشق والعقاب، قال الليث: سئل مجاهد عن الصقر والبازي والعقاب والفهد وما يصطاد به من السباع، فقال: هذه كلها جوارح. وأجابوا: عن التمسك بقوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ) [المائدة:
الآية 4]. من وجوه: (الأول) : أن المكلب هو مؤدب الجوارح ومعلمها أن تصطاد لصاحبها وإنما اشتق هذا الاسم من الكلب؛ لأن التأدب أكثر ما يكون في الكلاب، فاشتق منه هذا اللفظ لكثرته في جنسه. (الثاني) : أن كل سبع فإنه يسمى كلبا، ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» . فأكله الأسد. (والثالث) : أنه مأخوذ من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة، يقال: فلان كلب بكذا. إذا كان حريصا عليه.
(والرابع) : هب أن المذكور في هذه الآية إباحة الصيد بالكلب، لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره بدليل أن الاصطياد بالرمي ووضع الشبكة جائز، وهو غير مذكور في الآية واللّه تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة) : دلت الآية على أن الاصطياد بالجوارح يحل إذا كانت الجوارح معلمة
؛ لأنه تعالى قال:
وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) [المائدة: الآية 4] . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم اللّه، فكل» . قال الشافعي- رحمه اللّه- والكلب لا يصير معلما إلا عند أمور وهي. إذا أرسل استرسل، وإذا أخذ حبس، ولا يأكل،