فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 323

(وثانيها) : سُجِّرَتْ) [التّكوير: الآية 6] أوقدت، قال القفال: وهذا التأويل يحتمل وجهين:

(الأول) : أن اللّه يولد في الأرض أجزاء غير مسجورة لقوام الدنيا، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل اللّه كمال تلك الأجزاء بثوران النيران إلى البحار فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك.

(الثاني) : أن يخلق اللّه تعالى الأجزاء التي كانت أولا ذات شعل في جميع الكرة فتتكون وتتكامل شعلها فتأخذ الكرة في الاشتعال كما كانت أولا، وأقسم اللّه تعالى بها في الطير بقوله: (وَالطُّورِ(1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) . أي الموقود نارا، يقال: سجرت التنور أوقدته: وهذا البحر المسجور الموجود في باطن الأرض المتموج بنار بيضاء بعد الاحمرار من قوله تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا(14) [المزمّل: الآية 14] .

(اعلم) أن الرجفة معناها الزلزلة والزعزعة الشديدة، والكثيب القطعة العظيمة من الرمل أو غيره، وجمعه الكثبان، وفي كيفية الاشتقاق قولان:

(أحدهما) : أنه من كثب الشيء إذا جمعه، كأنه فعيل بمعنى مفعول.

(والثاني) : قال الليث: الكثب نثر التراب والشيء يرمى به والفعل اللازم انكثب ينكثب انكثابا، وسمى الكثيب كثيبا؛ لأن ترابه دقاق كأنه مكثوب منثور بعضه على بعض لرخاوته.

وقوله: (مَهِيلًا) [المزمّل: الآية 14] . أي سائلا يسيل.

وإذا عرفت هذا فنقول: إن رجفان الأرض لزيادة نومها وتمددها حال بساطتها كانت ترجف، أي تزلزل لتركيبها ولتكميل تكونها، كما قال تعالى: (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) [النّحل: الآية 15] . ولما أتم اللّه تعالى كمالها، هدأت وسكنت، ثم إنه تعالى جعل بعد ذلك الزلزال في بعض أجزائها، وفيه جهان: (الأول) : يظهر عند هذا الحادث قطعة كبيرة من باطن الأرض، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ) [الرّعد: الآية 3] .

(الثاني) : كما قال تعالى: (هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) [الأنعام: الآية 65] . ففي البلاد التي تصاب كثيرا بالزلازل كثيرا ما انقلبت وتلفت كلها في الوقت الذي ظهر فيه هذا الحادث، كما قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ(78) [الأعراف: الآية 78] . فالرجفة هي الزلزلة الشديدة والاضطراب، وهذه الاضطرابات قد تكون وقتية أو دورية أو دائمة، ومدة إقامتها تختلف كشدتها، ففي بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت