كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 326
قنينة ثم أديرت على قطبها إدارة سريعة، فإنه يقف التراب في وسط القنينة لتساوي الدفع من كل الجوانب، ومن ذلك تطلب الأرض وسط الأفلاك؛ لأن الأجسام متساوية في الجسمية، فاختصاص البعض بالصفة التي لأجلها تطلب تلك الحالة لا بد وأن يكون حائزا فيفتقر فيه إلى الفاعل المختار سبحانه وتعالى.
(الثالث) : قال علماء الهيئة الذين بحثوا في الأرض على ما تبين لهم: إن جميع المواد الداخلة في تركيب الأرض كانت ابتداء على حالة غازات أو أبخرة بتأثير الحرارة الشديدة التي سلطها اللّه تعالى عليها، وحينئذ نتخيل أن الأرض كانت في ابتداء أمرها مادة غازية، ومتى علم أن الجواهر الصلبة التي تستحيل إلى غازات تشغل حجما قدر حجمها الذي تبقى عليه ألفا وثمانمائة مرة، نتج من ذلك أن هذه الكتلة الغازية كانت ذات حجم عظيم، وتخيلنا الفرق الذي بين حجم أرضنا هذه وكتلتها الغازية الأولية، وحيث إن الكتلة الغازية التي كانت تتكون منها الأرض ذات حرارة مرتفعة جدا كانت تضيء في الفراغ كما تضيء الشمس الآن، وكما تضيء النجوم الثابتة والسيارة ليلا، وهذه الكتلة الغازية المضطرمة لما دارت حول الشمس على مقتضى قوانين الجذب العام الفلكي كانت منقادة إلى القوانين المؤثرة في بقية الجواهر المادية، فكانت تبرد وتترك جزءا من حرارتها لطبقات الفراغ الباردة جدا التي بين الأفلاك، فبسبب هذا التبريد المستمر مع طول الزمن الذي لا يمكن تعيين مدته ولو على وجه التقريب، صارت الأرض سائلة بعد أن كانت غازية، فتناقص حجمها تناقصا عظيما، ومن المقرر في علم (الميخانيك) . أي علم رفع الأثقال أن الجسم السائل المتحرك حركة رحوية يكتسب شكلا كرويا، فهذه الكيفية اكتسبت الأرض الشكل الكروي المميز لها، ولأغلت الأجسام السماوية.
وليست الأرض منقادة إلى حركة رحوية فقط، بل لها حركة دوران على محورها أيضا يتكون تعاقب الليل والنهار، وقد تقرر في علم «الميخانيك» وثبت بالتجارب أن الكتلة السائلة المتحركة تنفتح نحو خط الاستواء تفرطحا نحو قطبها بسبب اختلاف القوة المركزية الطاردة، وبسبب هذه الظاهرة لما كانت الأرض سائلة انتفخت نحو خط الاستواء، وتفرطحت نحو القطبين فاستحالت من الشكل الكروي إلى شكل كرة مفرطحة نحو قطبها.
(واعلم) أن انتفاخ الأرض نحو خط الاستواء وتفرطحها نحو القطبين دليل على أن الأرض كانت سائلة ابتداء، فإن الكرة الصلبة التي من العاج لا يتغير شكلها إذا دارت على