كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 35
مجهولة، ولم يلزم من كونها مجهولة نفيها، فكذلك هاهنا، وهذا هو المراد من قوله عز من قائل: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: الآية 85] .
«المسألة الثانية في حدوث الأرواح» : وفيها ثلاثة أنواع
[النوع الأول في كيفية تولد الاجسام النورانية]
: «أحدها» :
أجسام هوائية مخلوقة بالحرارة متولدة في الدم بواسطة التنفس ومنه إلى المخ، وقالوا:
إنها هي الروح وإنها هي الإنسان. ثم اختلفوا فمنهم من يقول: الإنسان هو الروح الذي في الدم. ومنهم من يقول: إنه سائل نوراني في الدماغ والأعصاب. ومنهم من يقول: الروح عبارة عن أجزاء نورانية نارية مختلطة بالأعضاء الدماغية، وتلك الأعضاء منبثة في الأوعية القلبية. ومن الناس من يقول: الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجواهر على طبيعة ضوء الشمس، وهي لا تقبل التحلل والتبدل ولا التفرق ولا التمزق ولا تمسك ولا توزن، وهو المراد بقوله تعالى: (فَإِذا سَوَّيْتُهُ) [الحجر: الآية 29] . أي أنفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل البدن وأعضائه نفاذ النار في الفحم، ونفاذ تلك الأجسام السماوية في جوهر البدن هو المراد بقوله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [الحجر:
الآية 29]. ثم إن البدن ما دام سليما قابلا لنفاذ تلك الأجسام الشريفة يبقى حيا، فإذا تولدت في البدن أعراض عارضت تلك الأجسام فانفصلت عن هذا البدن فحينئذ يعرض الموت.
«النوع الثاني» : «في الأجسام الموجودة لقبول الأجسام النورانية» :
اعلم أن الحياة في النبات بسيطة؛ إذ غاية منفعتها المقصودة منها فيه إنما هي التغذية والتوالد، وأنه يزداد ظهورها في «الأخطبوط» الذي ليس هو إلا كيسا متكونا من جوهر لين يكاد أن يكون من طبيعة واحدة متجانسة، وهو ومن رتبة الحيوانات التي منها اللؤلؤ، وهي أول حيوان من سلسلة الحيوانات؛ لأنه يوجد فيه من الحس والحركة ما لا يوجد في النبات إلا أن حركته ليست ذاتية؛ لأنه لا يمكن أن يحكم عليها بأنها ناشئة عن إدراك وتخيل وإرادة، بل إنما تصدر عن آلية البنية فيها، ولا يقال إن في النبات المستحى فكرا وإرادة؛ لأن الحس والحركة فيه لا يجاوزان المحل المتأثر منه، ولا شك أيضا في أن الحياة تظهر واضحة جدّا في الدود بالنسبة إلى «الأخطبوط» ؛ لأنه يوجد فيه ألياف وأوعية ونخاع وقوة قابضة، ويظهر أنها في الحيوانات القشيرية التي من نوع القوقع أوضح منها في التي قبلها؛ لكون آلية البنية فيها أرقى مما قبلها بسبب تركب أعضائها؛ لأنه يوجد فيها هيكل عظام وعضلات وأعصاب ونخاع