كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 37
(الفريق الثاني) : قالوا: النفس إذا تعلقت بالبدن اتحدت به؛ فصارت النفس عين، البدن والبدن عين النفس ومجموعهما عند الاتحاد هو الحيوان، فإذا جاء وقت الموت بطل هذا الاتحاد وبقيت النفس وفسد البدن. فهذه جملة مذاهب الناس في الحيوان، وكان ثابت ابن قرة يثبت النفس، ويقول: إنها متعلقة بأجسام سماوية نورانية لطيفة غير قابلة للتكون والفساد، والتفرق والتمزق، وأن تلك الأجسام تكون سماوية في البدن وما دام ذلك السريان باقيا بقيت النفس مدبرة للبدن، فإذا انفصلت تلك الأجسام اللطيفة عن جوهر البدن، انقطع تعلق النفس عن البدن.
«المسألة الثالثة» : في ذكر سائر الأقوال المقولة في نفس الروح المذكورة 0 في هذه الآية
(اعلم) أن الناس ذكروا أقوالا أخر سوى ما تقدّم ذكره، فالقول الأوّل أنّ المراد من هذا الروح هو القرآن، قالوا: وذلك لأن اللّه تعالى سمى القرآن في كثير من الآيات روحا، واللائق بالروح المسؤول عنه في هذا الموضع ليس إلا القرآن. فلا بد من تقرير مقامين: أما بيان المقام الأول: فتسمية اللّه تعالى القرآن بالروح يدل عليه قوله تعالى: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا) [الشّورى: الآية 52] . وقوله: (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) [النّحل:
الآية 2]. وأيضا السبب في تسمية القرآن بالروح أن القرآن لا تحصل حياة الأرواح والعقول إلا به، وبه تحصل معرفة اللّه تعالى ومعرفة ملائكته ومعرفة كتبه ورسله، والأرواح إنما تحيا بهذه المعارف. وأما بيان المقام الثاني: فهو أن الروح اللائق بهذا الموضع القرآن؛ لأنه تقدم قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء: الآية 82] . والذي تأخر عنه قوله: (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) [الإسراء: الآية 86] . إلى قوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) [الإسراء: الآية 88] . أي معينا، فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن وما بعدها كذلك، وجب أيضا أن يكون المراد من هذا الروح القرآن، حتى تكون آيات القرآن كلها متناسبة متناسقة، وذلك لأن القوم استعظموا أمر القرآن فسألوا: أهو من جنس الشعر أو من جنس الكهانة؟ فأجابهم اللّه تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلام ظهر بأمر اللّه ووحيه وتنزيله، فقال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء: الآية 85] . أي القرآن إنما ظهر بأمر ربي، وليس من جنس كلام البشر. القول الثاني: إن الروح المسؤول عنه في هذه الآية جبريل. وهو قول الحسن وقتادة، والدليل عليه أنه تعالى سمى جبريل بالروح في قوله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193) عَلى قَلْبِكَ) [الشعراء: الآيتان 193، 194] . وفي قوله: