فهرس الكتاب
كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 365
(الحجة الثانية) :
كل ما سوى الواجب فهو ممكن، وكل ممكن محدث، وكل محدث فله صانع، وإنما قلنا: كل ما سوى الواجب ممكن؛ لأنا لو فرضنا موجودين واجبين لذاتهما لاشتركا في الوجود، ولتباينا بالتعين، فيكون كل منهما مركبا مما به المشاركة ومما به الممايزة، وكل مركب مفتقر إلى جزء وجزؤه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فكل واحد من الواجبين بالذات ممكن بالذات هذا خلف، ثم ينتقل الكلام إلى ذينك الجزءين فإن كانا واجبين كان كل واحد من تلك الأجزاء مركبا، ويلزم التسلسل، وإن لم يكونا واجبين، كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجوب، فثبت أن ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن فله مؤثر، وكل ما افتقر إلى المؤثر محدث؛ لأن الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء، لاستحالة إيجاد الموجود فلا بد وأن يكون إما حال الحدوث أو حال العدم، وعلى التقديرين فالحدوث لازم، فثبت أن ما سوى الواجب محدث، وكل محدث فلا بد له من محدث فلا بد للسماء من بان.
(الحجة الثالثة) :
صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر مما هو الآن بمقدار خردلة، فاختصاص هذا المقدار بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا بد وأن يكون بمخصص، فثبت أنه لا بد للسماء من بان، وقلنا سابقا: إن الجواهر الدقيقة- أي الفردة- جعل تعالى بها قوة الانضمام، أي التماسك. (فإن قيل) : لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلق شيئا وأعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام، فيكون خالق السماء وبانيها هو ذلك الشيء (فالجواب) : من العلماء من قال: المعلوم بالعقل أنه لا بد للسماء من محدث، وأنه لا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم واجب الوجود لذاته. واحد، وهو اللّه سبحانه وتعالى.
فأما نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع، فقوله في هذه الآية: بَناها يدل على أن باني السماء هو اللّه وحده لا غيره، ومنهم من قال: بل العقل يدل على بطلانه؛ لأنه لما ثبت أن كل ما عداه محدث، ثبت أنه قادر لا موجب، والذي كان مقدورا له إنما صح كونه مقدورا له بكونه ممكنا، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو الامتناع، وهما يحيلان المقدورية، وإذا كان ما لأجله صح في البعض أن يكون مقدورا لله، وهو الإمكان، والإمكان عام في الممكنات وجب أن يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة لله تعالى، وإذا ثبت