فهرس الكتاب

الصفحة 389 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 389

(وأما بيان الحجج والدلائل السمعية فكثيرة) :

وَأولها: قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) [الإخلاص: الآية 1] . فوصفه بكونه أحدا، والأحد مبالغة في كونه واحدا والذي يمتلئ منه العرش ويفضل عن العرش يكون من أجزاء كثيرة جدا فوق أجزاء العرش، وذلك ينافي كونه واحدا ورأيت جماعة من الكرامية عند هذا الإلزام يقولون: إنه تعالى ذات واحدة ومع كونها واحدة حصلت في كل هذه الأحياز دفعة واحدة قالوا: فلأجل أنه حصل دفعة واحدة في جميع الأحياز امتلأ العرش منه فقلت: حاصل هذا الكلام يرجع إلى أنه يجوز حصول الذات الشاغلة للحيز والجهة في أحياز كثيرة دفعة واحدة والعقلاء اتفقوا على أن العلم بفساد ذلك من أجلى العلوم الضرورية، وأيضا فإن جوزتم ذلك فلم لا تجوزون أن يقال: إن جميع العالم من العرش إلى ما تحت الثرى جوهر واحد وموجود واحد إلا أن الجزء الذي لا يتجزأ حصل في جملة هذه الأحياز، فظن أنها أشياء كثيرة، ومعلوم أن من جوزه فقد التزم منكرا من القول عظيما، فإن قالوا إنما عرفنا هاهنا حصول التغاير بين هذه الذوات لأن بعضها يفنى مع بقاء الباقي، وذلك يوجب التغاير، وأيضا فنرى أنها متحركة وأجزاءها ساكنة، والمتحرك الجملة فوجب القول بالتغاير وهذه المعاني غير حاصلة في ذات اللّه تعالى فظهر الفرق، إذا عرفت هذا فنقول: أما قولك بأنا نشاهد أن هذا الجزء يبقى مع أنه يفنى ذلك الجزء الآخر وذلك يوجب القول بالتغاير فنقول: لا نسلم أنه في شيء من الأجزاء، بل نقول لم لا يجوز أن يقال: إن جميع أجزاء العالم جزء واحد فقط، ثم إنه حصل هاهنا وهناك، وأيضا حصل موصوفا بالسواد والبياض، وجميع الألوان والطعوم الذي يفنى إنما هو حصوله هناك فإما أن يقال إنه فني في نفسه فهذا غير مسلم، وأما قوله:

نرى بعض الأجسام متحركا وجميع أجزائها ساكنا، وذلك يوجب التغاير لأن الحركة والسكون لا يجتمعان فنقول إذا حكمنا بأن الحركة والسكون لا يجتمعان لاعتقادنا أن الجسم الواحد لا يحصل دفعة واحدة في حيزين، فإذا رأينا أن الساكن بقي هنا، وأن المتحرك ليس هنا قضينا أن المتحرك غير الساكن، وأما بتقدير أنه يجوز كون الذات الواحدة حاصلة في حيزين دفعة واحدة لم يمتنع كون الذات الواحدة متحركة ساكنة معا؛ لأن أقصى ما في الباب أن سبب بقائه يتناسب الأجزاء، وبسبب الحركة حصل في الحيز الآخر إلا أنا لما جوزنا أن تحصل الذات الواحدة دفعة واحدة في حيزين معالم يبعد أن تكون الذات الساكنة هي عين الذات المتحركة، فثبت أنه لو جاز أنه يقال إنه تعالى في ذاته واحد لا يقبل القسمة، ثم مع ذلك يمتلئ العرش منه لم يبعد أيضا أن يقال: العرش في نفسه جوهر فرد وجزء لا يتجزأ، ومع ذلك فقد حصل في كل تلك الأحياز، وحصل منه كل العرش، ومعلوم أنه يفضي إلى باب الجهالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت