فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 391

شيئا وبعده شيئا آخر، أما الذي ذكره قبل هذه الكلمة فهو قوله: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) [الأعراف: الآية 54] . وقد بينا أن خلق السماوات يدل على وجود الصانع وقدرته وحكمته من وجوه كثيرة.

وأما الذي ذكره بعد هذه الكلمة فأشياء:

(أولها) : قوله: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) [الأعراف: الآية 54] . أعني أن الكواكب الليلية تطلب حثيثا أي تتحرك وتطلب بعضها، وذلك أحد الدلائل الداله على وجود الصانع وهو اللّه تعالى وعلى قدرته وحكمته.

(وثانيها) : قوله: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) [الأعراف: الآية 54] .

وهو أيضا من الدلائل الدالة على وجوده وقدرته وعلمه.

(وثالثها) : قوله: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف: الآية 54] . وهو أيضا إشارة إلى كمال قدرته وحكمته، فإذا ثبت هذا فنقول أول الآية إشارة إلى ذكر ما يدل على الوجود والقدرة والعلم وآخرها يدل أيضا على هذا المطلوب، وإذا كان الأمر كذلك فقوله تعالى:

ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: الآية 54] . وجب أن يكون أيضا دليلا على كماله في القدرة والعلم؛ لأنه لو لم يدل عليه، بل كان المراد كونه مستقرّا على العرش، كان ذلك كلاما أجنبيّا عما قبله وعما بعده، فإن كونه تعالى مستقرّا على العرش لا يمكن جعله دليلا على كماله في القدرة والحكمة، وليس أيضا من صفات المدح والثناء؛ لأنه تعالى قادر على أن يجلس جميع أعداد البق والبعوض على العرش وعلى ما فوق العرش فثبت أن كونه جالسا على العرش ليس من دلائل إثبات الصفات والذات، ولا من صفات المدح والثناء فلو كان المراد من قوله: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: الآية 54] . كونه جالسا على العرش لكان ذلك كلاما أجنبيا عما قبله وعما بعده، وهذا يوجب نهاية الركاكة فثبت أن المراد منه ليس ذلك بل المراد منه كمال قدرته في تدبير الملك والملكوت حتى تصير هذه الكلمة مناسبة لما قبلها ولما بعدها، وهو المطلوب.

(ورابعها) : أن السماء عبارة عن كل ما ارتفع وسما وعلا، والدليل عليه أنه تعالى سمى السحاب سماء حيث قال: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) [الأنفال: الآية 11] .

وإذا كان الأمر كذلك فكل ما له ارتفاع وعلو وسمو كان سماء، فلو كان إله العالم موجودا فوق العرش لكان ذات الإله تعالى سماء لساكن العرش، فثبت أنه تعالى لو كان فوق العرش لكان سماء واللّه تعالى حكم بكونه خالقا لكل السماوات في آيات كثيرة منها هذه الآية وهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت