فهرس الكتاب
كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 410
ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأما أجرام السماوات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا، ثم قال: ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام إشارة إلى تخليق ذواتها في ستة أزمان، وقوله: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: الآية 54] . يكون إشارة إلى وضعها في أحيازها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله سبحانه وتعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها(27) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (28) . فذكر أولا أنه بناها، ثم ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها، وكذلك هاهنا ذكر بقوله: (خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة: الآية 164] .
أنه خلق ذواتها، ثم ذكر بقوله: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: الآية 54] . أنه قصد إلى تعريشها ووصفها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها.
(والقول الثاني) : وهو القول المشهور لجمهور المفسرين: إن المراد من العرش المذكور في هذه الآية الجسم العظيم الذي في السماء، وهؤلاء قالوا: إن قوله: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: الآية 54] . لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلقه بعد خلق السماوات والارض بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ)[هود:
الآية 7]. وذلك يدل على أن تكون العرش سابق على تخليق السماوات والأرض بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر، وهو أن يكون المراد ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش.
(والقول الثالث) : أن المراد من العرش الملك، والماء ما تكونت منه الذوات، يقال فلان يلي عرشه أي ملكه فقوله: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) [الأعراف: الآية 54] . المراد أنه تعالى لما خلق السماوات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوان، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات، والحاصل أن العرش عبارة عن الملك، وملك اللّه تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته ووجود مخلوقاته؛ إنما حصل بعد تخليق السماوات والأرض لا جرم صح إدخال حرف، ثم الذي يفيد تراخي الاستواء على العرش وتخليق عباده، واللّه تعالى أعلم بمراده.
(المسألة الرابعة) :
أما قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) [يونس: الآية 3] . فمعناه أنه يقضي ويقدر على حسب