فهرس الكتاب
كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 439
ناشئة بالأعمال والصناعة، وتكون أقل سعة من البحيرات والبطائح، فماؤها واقف قليل العمق يتصاعد معظمه أو كله في بعض أزمنة من السنة، وغالبا لا يجف عمقها بالكلية، وتوجد بكثرة في السهول المنخفضة، وفوق الجبال وعلى مهابطها في البلاد المملوءة بالغابات العتيقة.
(في بيان قوله تعالى:* وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا(53) [الفرقان: الآية 53] )
قوله: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) [الفرقان: الآية 53] . أي خلاهما وأرسلهما يقال: مرجت الدابة إذا خليتها ترعى وأصل المرج الإرسال والخلط ومنه قوله تعالى: (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) [ق: الآية 5] . سمي الماآن الكبيران الواسعان بحرين قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما- مرج البحرين أي أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج وهما يلتقيان، وقوله:
هذا عَذْبٌ فُراتٌ) [الفرقان: الآية 53] . المقصود من الفرات البليغ العذوبة حتي يضرب إلى الحلاوة والأجاج نقيضه وأنه سبحانه وتعالى بقدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج، وجعل من عظيم قدرته برزخا حائلا (وهاهنا بحثان) :
(البحث الأول) : إن الماء العذب يوجد في الكون على ثلاثة أقسام. الصلابة، والسيولة، والبخار،
أما القسم الأول فهو الجليد والثلج والبرد، وأما القسم الثاني فهو البحار والأنهار والبرك التي توجد على سطح الأرض وعلى قمم الجبال بمقدار عظيم.
(واعلم) : أنه يوجد هذا القسم أيضا في باطن الأرض، فيكون تحتها أنهار يكون تيارها سريعا جدا؛ لأنه يشاهد انفجار المياه من الصخور فتسمى بالعيون، ومياه الينابيع الباردة تنشأ من ارتشاح مياه المطر في طبقات الأرض إلى غور قليل، وهي نقية غالبا أو لا تحتوي إلا على المواد التي توجد في الطبقة التي نفذت منها، وأما المطر فهو ذو نقاوة تامة غالبا، لكن لا ينبغي أخذه بعد أن يسيل على أسطحة البيوت؛ لأنه يذيب مقدارا عظيما من الأملاح، وأما مياه الانهار فهي ذات نقاوة أيضا مناسبة عادة، فتحتوي على مقدار قليل من أملاح ذائبة فيها، لكنها لا تمنعها من انضاج البقول والخضروات وترغية الصابون والمياه الصالحة للشرب، يلزم أن تكون صافية شفافة لا لون ولا رائحة ولا طعم لها، وأما غير الصالحة للشرب، فهي