كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 45
ومنه تكبد اللبن والمني إذا غلظا واشتدا. والفرق بين القولين؛ أن في الأول جعل اسم الكبد موضوعا للكبد، ثم اشتقت منه الشدة، وفي الثاني جعل اللفظ موضوعا لشدة والغلظ، ثم اشتق منه اسم العضو.
(والوجه الثاني) : أن الكبد مشتق من تكبد إذا غلظ أي تخثر،
ويمكن أن هذا يدلنا في بعض الأحيان على ما يحصل في تخثر النطفة أي تجمدها، ونظير ذلك إذا حصل التهاب لغشاء مصلى مثلا كالغشاء المستبطن للصدر شوهد في لابتداء سيال مصلى غزير صاف، ثم يصير عكرا قليل الكمية وينعقد حتى يصير كبياض البيض إذا عرض للحرارة، ثم يحدث فيه ذلك تجاويف كتجاويف العجين المحمر وحويصلات صغيرة تكاد على حسب انتظامها أن تكون صفوفا، ثم ينفتح بعضها في بعض وتستحيل القنوات وعائية ممتلئة بسيال مضطرب منها اضطرابا ظاهرا، ثم تتولده في بعض تفممات بين هذه الأوعية والأوعية الشعرية المجاورة لمحل الالتهاب، وتسري الحياة العامة في هذا الغشاء المتكوّن تكونا جديدا، وهذه المشاهدة وإن لم نعلم منها الحكم بأن استحالة السوائل إلى الجوامد مضطرّة في كل مادّة حيوانية، إلا أنها نافعة لأننا قد اطلعنا بها على وظيفة من الوظائف الباطنة، وفهمنا سرّا من الأسرار التي نفعها علينا في أكثر الأحوال.
(والوجه الثالث) : أن الكبد شدة الخلق والقوة
إذا عرفت هذا فنقول: أمّا على الوجه الأول فيحتمل أن يكون المراد شدائد الدنيا فقط، وأن يكون المراد شدائد التكاليف فقط، وأن يكون المراد شدائد الآخرة فقط، وأن يكون المراد كل ذلك؛ أما الأوّل فقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ(4) [البلد: الآية 4] . أي خلقناه أطوارا كلها شدّة ومشقة ابتداء عند تكون النطفة وتكبدها وتقلباته في بطن الأم من العلقة إلى المضغة إلى تقلب الأطوار إلى خلق الجديد، ثم زمان الإرضاع ثم إذا بلغ ففي الكدّ في تحصيل المعاش، ثم بعد ذلك الموت، وأما الثاني وهو الكبد في الدين فقال الحسن: يكابد الشكر على السراء، والصبر على الضراء، ويكابد المحن في أداء العبادات، وأما الثالث وهو الآخرة فالموت، ومسألة الملك، وظلمة القبر، ثم البعث والعرض على اللّه تعالى إلى أن يستقرّ به القرار إما في الجنة وإما في النار.
(والوجه الرابع) : وهو أن يكون اللفظ محمولا على الكل فهو الحق وعندي فيه وجه آخر وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة ألبتة،
بل ذاك الذي يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عن ألم الجوع، وما يتخيل من اللذة عند اللبس فهو خلاص عن أمل الحر والبرد، فليس للإنسان إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر،