فهرس الكتاب
كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 441
الفاعل المختار كما قال تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا) [النّمل: الآية 61] . وإنما جعل بينهما حاجزا لئلا يفسد العذب منهما بالاختلاط، وليحصل لهما أيضا انتفاع بذلك الحاجز بحيث جعله تعالى منوعا فما كان من جهة العذب فيكتسب من العذوبة الحلاوة، وما كان من جهة الآخر يكتسب منه الملوحة وغيرها فظهر حينئذ أن في جوف الأرض بحرين:
بحر الحلاوة وبحر الملوحة وما أشبههما، فإن قيل: لم جعل تعالى الماء في باطن الأرض قسمين: حلوا ومالحا ولما لم يجعله حلوا محضا. (قلنا) : لو لم يجعل منه قسما مالحا لظهرة تعفناته وانتشر فساده في الأرض، ولفسدت تكونات الكائنات وتعطلت المولدات الثلاث، وما ذلك إلا دليل حكمة الفاعل المختار، ومكور الليل والنهار كما قال تعالى:
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (20) . وفيه مسائل:
(المسألة الأولى) :
مرج إذا كان متعديا كان بمعنى خلط أو ما يقرب منه، فكيف قال تعالى: (مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ) [الرّحمن: الآية 15] . ولم يقل ممروج. فنقول مرج متعد، ومرج بكسر الراء لازم، فالمارج المريج من مرج يمرج كفرح يفرح، والأصل في فعل أن يكون غريزيا والأصل في الغريزي أن يكون لازما وثبت له حكم الغريزي، وكذلك فعل في كثير من المواضع.
(المسألة الثانية) :
في قوله: (الْبَحْرَيْنِ) [الكهف: الآية 60] . وجوه: (أحدها) : بحر في باطن الأرض وهو البحر المسجور المشتعل، والبحر المحيط. (وثانيها) : البحر الحلو والبحر المالح المعدني المتكونان في باطن الأرض كما قال تعالى: (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ) [فاطر: الآية 12] . (وثالثها) : ما ذكر في المشرقين وفي قوله: (تُكَذِّبانِ) [الرّحمن: الآية 13] . أنه إشارة إلى النوعين الحاضرين فدخل فيه البحر المسجور والبحر المحيط والبحر العذب والبحر المالح المعدني، وأنه تعالى خلق في باطن الأرض بحرا تحيط هي به، وخلق في ظاهرها بحرا يحيط وهو بها إلا ما قل.
(المسألة الثالثة) :
إذا كان المرج بمعنى الخلط فما الفائدة في قوله: (يَلْتَقِيانِ) [الرّحمن: الآية 19] .
نقول قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) [الفرقان: الآية 53] . أي أرسل بعضهما في بعض، وهما عند الإرسال بحيث يلتقيان أو من شأنهما الاختلاط والالتقاء، ولكن اللّه تعالى منعهما عما في