كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 4
الجالسة جارية فللغلبة ترك الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه فقوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوارِ) [الرّحمن: الآية 24] .
أي السفن الجاريات على أن السفينة أيضا فعيلة من السفن، وهو النحت، وهي فعيلة بمعنى فاعلة عند أبي دريد أي تسفن الماء أو فعيلة بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى منحوتة، فالجارية والسفينة جاريتان على الفلك، وفيه لطيفة لفظية: وهي أن اللّه تعالى لما أمر نوحا عليه السّلام باتخاذ السفينة قال: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا) [هود: الآية 37] .
ففي أول الأمر قال لها الفلك؛ لأنها بعد لم تكن جرت، ثم سماها بعد عملها سفينة كما قال: فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ) [العنكبوت: الآية 15] . وسماها جارية كما قال تعالى:
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (11) [الحاقّة: الآية 11] . وقد عرفنا أمر الفلك وجريها.
وصارت كالمسماة بها، فالفلك قبل الكل ثم السفينة ثم الجارية.
(المسألة الثالثة) ما معنى المنشآت
نقول فيه وجهان:
(أحدهما) : المرفوعات من نشأت السحابة إذا ارتفعت وأنشأه اللّه إذا رفعه
وحينئذ ما هي بنفسها مرتفعة في البحر، وأما مرفوعات الشراع.
(وثانيهما) : المحدثات الموجودات من أنشأ اللّه المخلوق أي خلقه
فإن قيل: الوجه الثاني بعيد لأن قوله: (فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ) [الشّورى: الآية 32] . متعلق بالمنشآت فكأنه قال: وله الجواري التي خلقت في البحر كالأعلام وذلك غير جيد والدليل على صحة ما ذكرنا أنك تقول الرجل الجريء في الحرب كالأسد فيكون حسنا ولو قلت: الرجل العالم بدل الجريء في الحرب كالأسد لا يكون كذلك، فنقول: إذا تأملت فيما ذكرنا من كون الجارية صفة أقيمت مقام الموصوف كان الإنشاء بمعنى الخلق لا ينافي قوله: (فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ. لأن التقدير حينئذ له السفن الجارية في البحر كالأعلام، فيكون أكثر بيانا للقدرة كأنه قال: له السفن التي تجري في البحر كالأعلام أي كأنها الجبال والجبال لا تجري إلا بقدرة اللّه تعالى، فالأعلام جمع علم الذي هو الجبل، وأما الشراع المرفوع كالعلم الذي هو معروف، فلا عجب فيه، وليس العجب فيه كالعجب في جري الجبل