كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 26
تقديم البرق على تنزيل الماء من السماء نعمة وآية.
وأما كونه آية فظاهر فإن السحاب ليس إلا ماء وهواء.
(المسألة الثالثة) : قال هاهنا: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الجاثية: الآية 5] . لما كان حدوث الولد من الوالد أمرا عاديا
مطردا قليل الاختلاف كأن يتطرق إلى الأوهام العامية. إن ذلك بالطبيعة؛ لأنه أقرب للطبيعة من المختلف لكن البرق والمطر ليس أمرا مطردا غير مختلف، ومثل تلك الآثار الجوية النارية إذ تقع ببلدة دون بلدة، وفي وقت دون وقت، وتارة تكون قوية، وتارة تكون ضعيفة فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار.
(ومن الآثار الضوئية الجوية النارية أشياء) :
الأول الفجر قال تعالى: (وَالْفَجْرِ(1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4) .) [الفجر: الآيات 1 - 4]
(اعلم) أن هذه الأشياء التي أقسم اللّه بها لا بد وأن يكون فيها فائدة دينية مثل كونها دلائل باهرة على التوحيد أو فائدة دنيوية توجب بعثا على الشكر أو مجموعهما، ولذلك كثرت الآراء في تفسير هذه الأشياء واختلفت اختلافا شديدا فكل أحد فسره بما رآه أعظم درجة في الدين، وأكثر منفعة في الدنيا.
أما قوله: (وَالْفَجْرِ(1) [الفجر: الآية 1] . فذكروا فيه وجوها:
(منها) : ما روي عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- أن الفجر هو الصبح المعروف فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب، وأقسم اللّه به لما يحصل به من انقضاء الليل وظهور الضوء، فيكون من الصادق انتشار الناس، وسعي الحيوانات من الطيور والوحوش في طلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم، وفيه عبر لمن تأمل وهذا كقوله: (وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ(34) [المدّثّر: الآية 34] . وتمدح في آية أخرى بكونه خالقا له، فقال تعالى:
فالِقُ الْإِصْباحِ) [الأنعام: الآية 96] .
وأما الكاذب ويسمى بالفجر الشمالي فربما كان هو أجمل الآثار الجوية الضوئية بسبب كثرة إضاءته وطول إقامته، وغريب تشكلاته، والغالب كونه على هيئة أقواس كثيرة مضيئة تجتاز فيما بينها شعل نارية، وتسير متجهة نحو نقطة واحدة من السماء، والاعتبار العظيم فيها