كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 63
(الثاني) : هو أن العماد ما يعتمد عليه، وقد دللنا على أن هذه الأجسام إنما بقيت واقفة في الجو العالي بقدرة اللّه تعالى الذي جعل فيها قوة سارية من بعضها إلى بعض أوجبت وقوفها، وحينئذ يكون عمدها هو قدرة اللّه تعالى فنتج أن يقال إنه رفع السماء بغير عمد ترونها أي ليس لها عمد في الحقيقة إلا قوة وضعها تعالى، وتلك القوة هي قدرة اللّه تعالى وحفظه وتدبيره وإبقاؤه إياها في الجو العالي، وأنهم لا يرون ذلك التدبير ولا يعرفون كيفية ذلك الإمساك، وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر فهو قوله سبحانه وتعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) [الرّعد: الآية 2] .
(واعلم) أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة:
(الأول منهما) : فيه وجوه:
(الأول) : قوله: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) [الرّعد: الآية 2] . وحاصله يرجع إلى الاستدلال على وجود الصانع القادر العلي القاهر بحركات هذه الأجرام؛ وذلك لأن الأجسام متماثلة فهذه الأجرام قابلة للحركة والسكون فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لا بد له من مخصص.
(الثاني) : وأيضا أن كل واحد من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة فلا بد أيضا من مخصص لا سيما عند من يقول الحركة البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات، وهذا يوجب الاعتراف بأنها تتحرك في بعض الأحياز، وتسكن في البعض، فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين، والسكون في الحيز الآخر لا بد فيه أيضا من مرجح، وهناك وجه آخر وهو الثالث: أن تقدير تلك الحركات والسكنات بمقادير مخصوصة على وجه يحصل من عوداتها وأدوارها متساوية بحسب المدة حالة عجيبة فلا بد من مقدر.
(الوجه الرابع) : أن بعض تلك الحركات مشرقية وبعضها مغربية، وبعضها مائلة إلى الشمال، وبعضها مائلة إلى الجنوب، وهذا أيضا لا يتم إلا بتدبير كامل وحكمة بالغة.
(النوع الثاني منها) : قوله تعالى: (كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) [الرّعد: الآية 2] . وفيه قولان:
(الأول) : تحقيقه هو أن اللّه تعالى قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيرا خاصا إلى جهة خاصة بمقدار خاص من السرعة والبطء، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة حال، أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك:
(والقول الثاني) : أن المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وعند مجيء ذلك اليوم