كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 59
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ) [المؤمنون: الآية 14] . وفيه بحثان:
(البحث الأول) : [الأطوار التي تتقلب على بنية الآدمي]
اعلم أن جميع الأطوار التي تتقلب على بنية الآدمي في الحياة الرحمية مطابقة للأحوال الدائمة في الحيوانات؛ لأننا إذا قارنا درجات نمو أجنة الآدمي على اختلافها بدرجات أطوارا أجنة غيره من الحيوانات، أمكننا أن نستدل على المطابقة المذكورة بأدلة عديدة، لكن نكتفي ببعضها فنقول:
(اعلم) أن المضغة في الابتداء تكون كالذرة كما قلنا كما تشاهد في الديدان البسيطة، ثم تصير جسما دوديا كما في الديدان الخاتمية، ثم يبرز الذنب وتظهر الأطراف باستواء، وهذا ما يشاهد في معظم ذوات الأربع، فأول ما يظهر في المجموع العصبي الأعصاب وعقدها، وهذه حالة ذوات الأعصاب من الحيوانات الغير الفقرية ثم يتميز كل من النخاع الفقري والجمجمة وحدباتهما، ويظهر رسم المخيخ والمخ، وهذا ما يشاهد في السمك والحيوانات الزاحفة، ثم تتزايد هذه الأجزاء أكثر من الحدبات ويزيد الدماغ بالتدريج حتى يصير كدماغ الطير والحيوانات الثديية، ثم تستولي فصيصات المخيخ والمخ وتعظم حتى تصير مخ آدمي، فهذه كيفية تقلب الأطوار للأحوال من الحيوانات الدنيئة الرتبة بالنسبة إلى الإنسان.
(البحث الثاني) : [نمو العظام]
إذا تتبع نمو العظام، شوهد أنها تكون غروية ثم تصير غضروفية ثم عظمية، لكن تكون حينئذ منفصلة جملة قطع ثم تلتحم فيما بعد، فإذا قوبل نمو العظام المذكور بنمو عظام السمك وغضاريف الحيوانات الفقرية التي تتناسل بالبيض، نتج من تلك المقابلة دليل مصحح لما ذكرناه، وهكذا إذا بحثنا في جميع الأجناس والأجهزة العضوية، لكن لما كانت أطوار تكوين الآدمي ونموه أسرع مرورا من أطوار باقي الحيوانات، كان إدراكها عسرا، والبحث في المقابلة المذكورة سواء كان بين الإنسان وغيره من الحيوانات، أو بين الإنسان ونفسه في أطوار حياته على اختلافها أمره مهم يجب على عالم ومشرح معرفته.
(المسألة الثانية) : (اعلم) أنه تعالى إنما قال: أَنْشَأْناهُ) [المؤمنون: الآية 14] .
لأنه جعل إنشاء الروح