كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 143
(المسألة الخامسة) : في أنواع الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر:
(النوع الأول) : أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاث: اثنتان منها وردتا بلفظ الخمر إحداهما: هذه الآية والثانية: آية المائدة، والثالثة: وردت في السكر وهي قوله تعالى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى) [النّساء: الآية 43] . وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر.
(النوع الثاني) : أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذا قالا: يا رسول اللّه إن الخمر مسلبة للعقل مذهبة للمال فبين لنا فيه فهما، وإنما طلبا الفتوى من اللّه ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل، فوجب أن يكون كل ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى، إما أن يكون خمرا، وإما أن يكون مساويا للخمر في هذا الحكم.
(النوع الثالث) : أن اللّه علل تحريم الخمر، وبقوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) [المائدة: الآية 91] . ويصدكم عن ذكر اللّه وعن الصلاة.
ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر، وهذا التعليل يقيني فعلى هذا تكون هذه الآية نصا في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر أو إن لم يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر، وكل من أنصف وترك العناد علم أن هذه الوجوه ظاهرة جليلة في إثبات هذا المطلوب.
حجة أبي حنيفة- رحمه اللّه تعالى- من وجوه:
(الوجه الأول) : قوله تعالى: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) [النّحل: الآية 67] . منّ اللّه تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، وما نحن فيه سكر وزرق حسن فوجب أن يكون مباحا؛ لأن المنة لا تكون إلا بالمباح.
(الوجه الثاني) : ما روى ابن عباس- رضي اللّه عنهما- أنه- عليه السّلام- أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها، وقال: (اسقوني. فقال العباس: ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا فقال: مما تسقي الناس فجاءه بقدح من نبيذ فشمه فقطب وجهه ورده فقال العباس:
يا رسول اللّه أفسدت على أهل مكة شرابهم. فقال: ردوا علي القدح. فردوه عليه فدعا بماء من زمزم وصبه عليه وشرب، وقال: (إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا نتنها بالماء.