فهرس الكتاب

الصفحة 686 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 185

(واعلم) أن علماء الهيئة بينوا: أن كل عنصر بسيط جعل اللّه فيه قوة سائلة تتحول إلى أزواج، وجعل تعالى أحدهما متسلطنا على الآخر، وأول من اطلع على ذلك أرسطاطاليس في قطعة من الكهرباء، والآن سمى ذلك علماء الهيئة بالكهربائية، وهو سيال في غاية اللطافة منتشر في الأجسام بمقادير مختلفة، وتظهر في الزجاج واللك والراتينج، وبعض الأحجار الثمينة والكبريت توجد فيها هذه الخاصية بالدلك، وبيان ذلك بتقريب كرة صغيرة من جسم خفيف كخشب الفلين وقلب النبق معلقة بخيط من الحرير للجسم المكهرب بالدلك، ثم ظهرت أن الكرة المذكورة إذا جذبت لجسم زجاجي تكهرب بالدلك، ثم نفرت عنه ورأت قطعة من منّ نوعان زجاجية وراتنجية ونوعا الكهربائية من الراتنج انجذبت نحوها بقوة عظيمة وكذا عكسه، فعرف من ذلك أن الكهربائية وإن كانا متخالفين طبيعة يوجدان في جميع الأجسام، وإنما الحكم للمتسلطن، ثم إن اتفق الجسمان في نوع الكهربائية تنافرا إن اختلفا فيه تجاذبا كقوله تعالى: (خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها) [يس: الآية 36] . وأيضا قد بينوا أن الزوجية المغناطيسية التي هي سيال لطيف لا يقبل الوزن وجود في الأجسام كوجود السيال الكهربائي، لكنه دائما على نسق واحد، ووجوده في بعض المعدنيات يفيدها خاصية جذب الحديد إليها وانجذابها إليه، فيسمى ما وجدت فيه هذه الخاصية مغناطيسيا، ثم إن من الجواهر المغناطيسية ما تكون هذه الخاصية فيه ضعيفة حتى إن ذا الحجم الكبير لا يجذب الحديد إلا قليلا، وبعضها تكون فيه قوية فيجذب ما يكون حجمه منها بعض قراريط مكعبة مائتي رطل أو ثلاثمائة من الحديد، ولا ينفصل عنه إلا بقوة، وعنف وقطبا المغناطيس هما نقطتا الجذب من الجسم المغناطيسي.

وإذا عرض المغناطيس أو الجسم الممغطس لكرة من الحديد معلقة بخيط من الجسم سلس في الهواء جذب تلك الكرة إليه، وكذا لو كان المعلق المغناطيس، والمعرض الكرة، وإذا قطع الجسم المغناطيسي إلى أجزاء متعددة كان كل جزء ولو دقيق مغناطيسيا مستقلا دقيقا قطبان ووسط، فمن ذلك يعلم أنه يستحيل وجود مغناطيس له قطب واحد، ولو علق قطعتا مغناطيس في خيط غير مفتول، وقربتا إلى بعضهما لشوهد تباعدهما من القطبين المتماثلين وتجاذبهما من القطبين المتخالفين، فإذا تركتا معلقتين، وبينهما بعد اتجه كل من واحدة طرف إلى ناحية الشمال، فإذا قرب هذان الطرفان من بعضهما تنافروا، وإذا قرب أحدهما للطرف الثاني الذي كان متجها نحو الجنوب تجاذبا، فمن ذلك أخذ وجه تشبيه بالسيال الكهربائي، وعلم أن فيه قوتين مضادتين، وتأثيرهما في جذب الحديد واحد، ومعنى تضادهما أنهما يتعاكسان في الجذب فما تجذبه إحداهما تنفره الأخرى، فعلم من ذلك أن جميع السوائل الكهربائية والمغناطيسية والعناصر والذوات مكونة من الأزواج، وهي مخلوقات وممكنات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت