فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 3251

التاريخ القديم أراضيها وتسقي مروجها - ولعل في عمق الوديان التي نشاهدها اليوم ما يشير إلى شيء من حقيقة هذا الرأي . وهم يذكرون أن عوامل الجفاف الطبيعي ما لبثت أن حالت بالتدريج على مر الأحقاب ، دون وصول هذه الغيوم رطبة فحرمت الجزيرة من أنها جارية . ولا أستبعد هذا لأن المشاهد أن سورة الجفاف في عهودنا الحاضرة اشتدت وطأتها عن عهود سلفيت ، فاختلفت واحات كثير كانت معروفة في عهد الجاهلي وصدر الإسلام ، منها واحة ( فدك ) المشهورة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ، كما اختفى كثير من المناطق الخصبة التي كان يزرعها اليهود في المدينة ، وثقيف في الطائف ، وقريش حول مكة ، ونضب كثير من العيون والآبار ، وقل شأن السيول التي كان يفيض بها عقيق المدينة والطائف ووادي إبراهيم في مكة . والمعمرون في مكة وكثيرون من مدن الجزيرة يعملون أن منسوب المياه ومساحة المناطق الخصبة كانت إلى قرن سابق أحسن منها اليوم ، وأن بساتين مكة في أطرافها وضواحيها كانت منتشرة إلى مسافات بعيدة مما لم يبق له أثر نتيجة اطراد الجفاف ، ويرى بعض الجيولجيين أن الجفاف سيضطرد أمره في الجزيرة على مر العصور ، وأن نسلنا سيعاني منه أكثر مما نعاني إلى في المناطق الجنوبية القريبة من المحيط الهندي . وسواء صح نقل المؤرخين الإسلاميين في شأن من هبط مكة قبل عهد إبراهيم أولم يصح ، وسواء ثبت استنتاج الجيولجيون عن خصوبة هذه الأرض في عهود مجهولة من التاريخ أو لم يثبت ، فإن مما لا مجال للشك فيه أنه يصح اعتماد هجرة إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام إلى مكة مبدأ واضحًا لتاريخ مكة ، لأن أهم ملابساتها وظروف دقائقها وردت واضحة في القرآن ، ولسنا نعني أن جميع التفاصيل التي ذكرها المؤرخون أنها لازمت هذه الهجرة أو أعقبتها ، كانت من الوضوح والصحة بحيث لا يتسرب إلينا شك فيها ولكنها منقولة وحسب ، كما أن بعضها أشار إليه الحديث الشريف واستكملت البعض الآخر روايات أهل الكتاب ، وقد بذل المؤرخون الذين جاءوا متأخرين في تصفية ما انتهى إلهم فكان بعضهم دقيقًا ما أمكنته الدقة ، كما أن بعضهم لم يتحرج في إيراد ما صدفه من حشو ولغو .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت