اختلاف بنايات الكعبة وتعميرها . لقد تقدم أن الكعبة المعظمة بنيت إحدى عشرة مرة ، منذ بناء الملائكة وادم عليه السلام إلى بناء السلطان مراد بن السلطان احمد عام ألف وأربعين من الهجرة ، فإذا دققنا النظر رأينا أن ما وقع لبيت الله الحرام من البنايات الإحدى عشرة منذ آلاف السنين والأعوام ليس بشيء يذكر ، وإن مكثه سليما قائما دهرا طويلا ما هو إلا كرامة له ، وسر اختصه الله به فلو كثر خرابه وتعميره كل وقت لأدى ذلك إلى تهاون الناس باحترامه وتعظيمه . أما اختلاف البنايات فيه بالصفة التي ذكرناها فيما تقدم فليس في ذلك بأس ما دام البناء لم يخرج عن الأساس الأول ولم يتحول عن قواعد إبراهيم عليه السلام ، فإتباع الأساس هو الشرط الأول ، أما البناء على صفة مخصوصة فانه لم يرد من الشارع ، فهذه قريش نقصت من طوله من جهة الحجر لقلة النفقة الحلال التي جمعوها لبنيانه وطولت من ارتفاعه ورفعت بابه عن الأرض وسقفته ولم يكن له سقف ، وقد كان النبي يشتغل معهم في بنائه وهو حينئذ في الخامسة والثلاثين من عمره الشريف . ثم نقض عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما بناء قريش وبني الكعبة على الصفة التي تمناها رسول الله فانه قال لعائشة رضي الله عنها:"يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا فبلغت به أساس إبراهيم"رواه البخاري في صحيح ، فبموجب هذا الحديث الذي سمعه ابن الزبير من خالته عائشة بني الكعبة بعد احتراقها تحقيقا لأمنية النبي
و رغبته وجعل له بابين لاصقين بالأرض احدهما للدخول والأخر للخروج ، وجعل لها أربعة أركان بعد أن كان لها ركنان فقط وكان إذا طاف استلم الأركان الأربعة جميعا وقال: إنما كان ترك استلام هذين الركنين الشامي والغربي لان البيت لم يكن تاما"أي أن جداره الذي جهة الحجر كان مدورا من غير أركان"فلم تزل الأركان الأربعة حتى قتل رضي الله عنه وجعل في بطنه درجة من خشب يصعد منها إلى سطحها وجعل ارتفاعها من الأرض للسماء سبعة وعشرين ذراعا .