خطبة حجة الوداع اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في حجته في عرفات، وذلك أنه بعد أن زالت الشمس خرج من قبته، التي ضربت له بنمرة فركب ناقته القصواء، وسار حتى أتى بطن الوادي، من أرض عرنة ( بالنون) ، فخطب الناس وهو على راحلته خطبة بليغة عظيمة، فلما أتمها أمر بلالاً فأذن ثم أقام الصلاة فصلى الظهر ركعتين، ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضاً، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصراً وجمعاً ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع. فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف فوقف على بعيره في محل مسجد الصخرات بقرب جبل الرحمة وأخذ في الابتهال والتضرع والدعاء إلى غروب الشمس. فلما غربت الشمس، غروباً تاماً، أفاض عليه الصلاة والسلام، من عرفة وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض بالسكينة، وضم إليه زمام ناقته، حتى إن رأسه ليصيب طرف رحله، وهو يقول:"أيها الناس عليكم السكينة فإن البر ليس بالإضاع"- أي ليس بالإسراع-. فلما كان في أثناء الطريق، نزل صلى الله عليه وسلم، فبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله فقال: المصلى أمامك، ثم سار حتى أتى المزدلفة، فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر المؤذن بالأذان، فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب، قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولم يصل بينهما شيئاً. وقد روي أنه صلاهما بأذانين وإقامتين، وروي بإقامتين بلا آذان، والصحيح أنه صلاهما بأذان وإقامتين كما فعل بعرفة، ثم نام، فلما طلع الفجر، صلى الصبح بأذان وإقامة، وهو يوم عيد الأضحى، يوم الحج الأكبر، ثم ركب ناقته القصواء حتى أتى المشعر الحرام، وهو موضع معروف بمزدلفة، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء و التضرع والتهليل والتكبير والذكر حتى أسفر جداً. والظاهر والله تعالى أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخطب بمزدلفة لضيق الوقت ولكونه ليلاً، والناس مشتغلون بحط الرحال والنوم، حين الوصول إليها من عرفة بعد العشاء، أي في نحو الساعة الثانية العربية، ومشتغلون بشد الرحال إلى منى بعد صلاة الصبح، فليست هنالك فرصة للخطبة، ولكنه لما وقف بالمشعر الحرام وهو