ولا يخفى، ان هذه الآية الكريمة، أعظم بشارة وأكبر فرح للمسلمين، لاشتمالها على ثلاث مسائل، كل واحدة أعظم من أختها، كما هي ظاهرة من منطوق الآية: أن الله تعالى قد أكمل لنا ديننا الحنيف. قد أتم علينا نعمته من جميع الوجوه. قد اختار لنا بنفسه دين الإسلام القويم، كل ذلك بمحض فضله ورحمته. ولما جرت العادة أن البشائر الكبرى، والأخبار المهمة العمومية، تكون بالإعلان عنها على رؤوس الأشهاد، بشتى الطرق والوسائل، تكرم الله عز وشأنه أن يكون نزول هذه الآية الجليلة في يوم عرفة، لاجتماع كافة المسلمين فيه، وحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، لينتشر ذلك فيهم بسرعة البرق، فيعم البشر والسرور والفرح والحبور للمسلمين جميعاً في وقت واحد. ويفهم من هذه الآية قرب انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدار الآخرة، فما دام الدين الإسلامي قد كمل وأدى النبي رسالته للناس وبلغهم ما أنزل إليه، فليلحق بالرفيق الأعلى، وليسترح من تعب الدنيا. وفي نزول هذه الآية الكريمة حكمة كبرى، وهي اطمئنان المسلمين إلى أن دينهم قد كمل فلا يحتاج إلى زيادة شيء، فلو لم تنزل هذه الآية، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطر في البال وجال في الصدور: أن دين الإسلام ربما لم يكمل، وأنه لو لم يمت صلى الله عليه وسلم لتوالى نزول الآيات القرآنية، وازدادت أحكام الديانة الإسلامية، فلهذه الآية الجليلة موقع عظيم، ومعنى دقيق لا يغيب على ذوي الألباب. هذا وإن في حجة الوداع معاني جليلة، ومسائل دقيقة، كما فيها أمور مهمة واضحة ، والباحث عنها في كتب الفقه والحديث والتاريخ يجد فيها كثيراً من المسائل الدينية، والأمور الاجتماعية، والإنسانية الكاملة، من يوم خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى يوم رجوعه إليها من حجته هذه. ولقد كان من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وما أكثرها، أن خطبته البليغة الجامعة، في يوم النحر في هذه الحجة، كان الناس يسمعونها وهم في منازلهم وأماكنهم. فقد روى أبو داود والنسائي، عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا.