فهرس الكتاب
واتخذت العناية بالآبار بعد قصي سنة لأولاده ـ فكانوا يتتبعون مظان المياه العذبة ويحتفرون فيها الآبار . وعنى قصي إلى جانب العناية بسقيا الحجاج بالرفادة ، فكان على قريش خرج تخرجه من أموالها في كل موسم ، فتدفعه إلى قصي يصنع به طعامًا للحجاج يأكله م لم يكن معه سعة ولا زاد . وكان يشترى بما يجتمع عنده دقيقًا ويأخذ من كل ذبيحة بدنة أو بقرة أو شاة فخذها فيجمع ذلك كله ثم يجزر به الدقيق ويطعمه الحاج ، واتخذ أولاده هذه سنة بعده ، حتى أن عمر حفيده اضطر عندما أصاب مكة من في عهده جدب شديد ، أن يجمع ما تجمع لديه من قريش ويخرج به إلى الشام فيشتري به دقيقًا وكعكًا ، فيهشم الكعك وينحر الجزور ويطبخه ويجعله ثريدًا ويطعم الناس في مجاعتهم ، وقد سمي بذلك هاشمًا . وجاء الإسلام وقريش تتخذ هذه السنة عادة موسمية ، فأمضاها النبي صلي الله عليه وسلم إذ أرسل بمال مع أبي بكر رضي الله عنه عندما أمره أن يحج بالناس سنة تسع للهجرة ليصنع به طعامًا للحجاج ، وفعل مثل لك في حجته للوداع ، ثم أقام أبو بكر على هذا ، وكذلك بقية الخلفاء بعده - يقول أبو الوليد الأزرقي: وظل العمل على هذا إلى أيامنا هذه يطعم الخلفاء الموسم في أيام الحج بمكة ومنى حتى تنقضي أيام الموسم ، وقد عاش أبو الوليد في القرن الثالث الهجري وتوفي عام 223 . ولم أقع فيما قرأت على العهد الذي ألغيت فيه هذه العادة الحسنة ، وأكبر ظني أنها أبطلت على أثر الفتن والحروب التي كانت السبل تقطع فيها دون مكة ، ويلفت نظرنا في هذه السنة أنها كانت خرجًا عامًا تشترك فيه قريش بأموالها ، ويشترك المسلمون فيه في الصدر الأول للإسلام وأن هذا الاشتراك الشعبي ما لبث أن انتقل بتقادم العصور إلى خزائن الخفاء أو بيوت الأموال ، فهل تقاعس المكيون عن المجد ؟ أم أن أموالهم ضاقت دونه ؟ الواقع أن قريشًا كانت من أنشط القبائل في جزيرة العرب تجارة كما بيننا ذلك في بحث أعمالها التجارية ، فكانت بذلك في غنى تسع فضلاته إطعام الموسم ، وجاء الإسلام فاتسع نشاط قريش باتساع رقعة الإسلام ، ودرت الفتوحات والتجارة النشيطة عليهم الأموال الطائلة ، وأخصبت أراضيهم في الطائف والمدينة وبعض نواحي مكة وكثير من أوديتها القريبة ، بتأثير نشاط المال والعناية بحفر الآبار ، ثم ما لبث أن فتر النشاط وفترة بفتوره الغنى