فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 94

ثالثها ) مجهول الحال في العدالة باطنا لا ظاهرا لكونه علم عدم الفسق فيه ولم تعلم عدالته لفقدان التصريح بتزكيته،فهذا معنى إثبات العدالة الظاهرة ونفي العدالة الباطنة،لأن المراد بالباطنة ما في نفس الأمر،وهذا هو المستور والمختار قبولُه وبه قطع سليمُ الرازيُّ،قال ابنُ الصلاح:ويشبه أن يكون عليه العمل في كثير من كتب الحديث المشهورة فيمن تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة انتهى.

قلتُ: وعلى هذا يترجح العمل بالرأي القائل بقبول (رواية ) المستور على مقابله،لأنه قد تعذرت الخبرة في كثير من رجال القرن الأول والثاني والثالث،ولم يعلم عنهم مفسِّقٌ،ولا تعرف في روايتهم نكارة،فلو رددنا أحاديثهم أبطلنا سننًا كثيرة،وقد أخذت الأمة بأحاديثهم،كما أشار إليه الحافظ ابن الصلاح في كلمته الآنفة الذكر .

وعليه جرى عملُ الإمامين البخاريُّ ومسلمٌ في كتابيهما ( الصحيحين ) كما قال ذلك الحافظ الذهبي رحمه الله في الميزان في ترجمة حفص بن بُغيل [ د ] .عن زائدة وجماعة.وعنه أبو كريب،وأحمد بن بديل.قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف.

قلتُ: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا،فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدلُّ على عدالته.

وهذا شئ كثير،ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون،ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل.". [1] "

وقال في ميزان الاعتدال -مالك بن الخير الزبادى .مصرى.محله الصدق،يروى عن أبي قبيل،عن عبادة - مرفوعا: ليس منا من لم يبجل كبيرنا،روى عنه حيوة بن شريح،وهو من طبقته،وابن وهب،وزيد بن الحباب،ورشدين،قال ابن القطان:هو ممن لم تثبت عدالته - يريدُ أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة،وفي رواة الصحيحين عددٌ كثيرٌ ما علمنا أن أحدا نصَّ على توثيقهم،والجمهور على أنَّ منْ كان منَ المشايخ قد روى عنه جماعةٌ ولم يأت بما ينكر ُعليه أنَّ حديثَهُ صحيحٌ ." [2] "

وهذا الذي ذكره الحافظ الذهبي رحمه الله من مسلك الشيخين قد مشَى عليه الإمامُ أبو حنيفة ومن وافقه من أتباعه وغيرهم،قال المحقق الآمديُّ الشافعيُّ في كتابه الإحكام في أصول الأحكام [3] :

المسألة الأولى- مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأكثر أهل العلم أن مجهول الحال غير مقبول الرواية،بل لا بد من خبرة باطنة بحاله ومعرفة سيرته وكشف سريرته أو تزكية من عرفت عدالته وتعديله له.

وقال أبو حنيفة وأتباعه: يكتفَى في قبول الرواية بظهور الإسلام والسلامة عن الفسق ظاهرًا. اهـ

وقال به لفيف من أهل العلم ومنهم العلامة عبد الغني البحراني الشافعي في كتابه قرة العين:"لا يقبل مجهول الحال،وهو على ثلاثة أقسامٍ:"

أحدها: مجهول العدالة ظاهرا وباطنًا،فلا يقبل عند الجمهور .

ثانيها: مجهول العادلة باطنًا لا ظاهرًا،وهو المستور،والمختار قبوله،وقطع به سليم الرازي- أحد أئمة الشافعية وشيخ الحافظ الخطيب البغدادي- وعليه العملُ في أكثر كتب الحديث المشهورة،فيمن تقادم عهدهم وتعذَرتْ معرفتهم ) اهـ [4]

وقال العلامة المحقق البارع محمد حسن السنبهلي الهندي في مقدمة كتابه النفيس ( تنسيق النظام في مسند الإمام ) - أي الإمام أبي حنيفة -ص 68: ( قال القسطلاني في إرشاد الساري: وقبلَ المستورُ قومٌ ورجحه ابن الصلاح ) [5] وقال ابن حجر في شرح النخبة: وقبلَ روايتهَ جماعةٌ بغير قيدٍ )اهـ كلام السنبهلي .

وقال العلامة علي القاري في شرح شرح النخبة [6] :" (وقد قبل روايته) أي المستور، (جماعة) منهم أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، (بغير قيد) يعني بعصر دون عصر ذكره السخاوي. وقيل: أي بغير قيد التوثيق وعدمه،وفيه أنه إذا وثق خرج عن كونه مستورا،فلا يتجه قوله: بغير قيد. واختار هذا القول،ابن حبان تبعا للإمام الأعظم ؛ إذ العدل عنده: من لا يعرف فيه الجرح،قال: والناس في أحوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح،ولم يكلف الناس ما غاب عنهم،وإنما كلفوا الحكم للظاهر،قال تعالى:: {ولا تجسسوا} ولأن أمر الأخبار مبني على الظن،و (إن بعض الظن إثم) ،ولأنه يكون غالبا عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن،فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر،وتفارق الشهادة،فإنها تكون عند الحكام ولا يتعذر عليهم ذلك فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن. قال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي،في كثير من كتب الحديث المشهورة،في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم،وتعذرت الخبرة الباطنة بهم،فاكتفي بظاهرهم،وقيل: إنما قبل أبو حنيفة رحمه الله في صدر الإسلام حيث كان الغالب على الناس العدالة،فأما اليوم فلا بد من التركيز لغلبة الفسق،وبه قال صاحباه أبو يوسف،ومحمد.وحاصل الخلاف:أن المستور من الصحابة،والتابعين وأتباعهم،يقبل بشهادته صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بقوله:"خير القرون قرني،ثم الذين يلونهم"وغيرهم لا يقبل إلا بتوثيق،وهو تفصيل حسن."..اهـ

والأخذ بهذا المذهب فيمن سكتوا عنه وجيهٌ للغاية جدًّا،وأما من كان بعد خير القرون الثلاثة بعد فشوِّ الكذب وقيام الحفاظ بالرحلة وتأليف الكتب في الرجال والرواة،فينبغي أن لا يقبلَ إلا من ثبتتْ عدالتهُ وتحققت فيه شروطُ قبول الرواية التي رسمها المتأخرون .

فإذا علمَ هذا كله،اتضحت وجاهةُ ما أثبتُّه من أنَّ مثلَ البخاري،أو أبي حاتم،أو ابن أبي حاتم،أو أبي زرعة،أو ابن يونس المصري،أو ابن حبان،أو ابن عديٍّ،أو الحاكم الكبير أبي أحمدَ،أو ابن النجار البغدادي،أو غيرهم ممن تكلم في الرجال،إذا سكتوا عن الراوي الذي لم يجرح،ولم يأتِ بمتنٍ منكرٍ: يعدُّ سكوتهُم عنه من باب التوثيق والتعديل،ولا يعدُّ من باب التجريحِ والتجهيل ِ،ويكون حديثه لا ينزلُ عن مرتبة الحسَنِ،إذا سلِمَ من المغامز،والله تعالى أعلم .

وقد سار على هذا المسلك العلامة أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على مسند الإمام أحمد [7] وفي تعليقه على مختصره لتفسير ابن كثير الذي سماه عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير [8] ،وكذلك الشيخ العلامة ظفر أحمد التهانوي في كتابه قواعد في علوم الحديث [9] وحبيب الرحمن الأعظمي في كتبه وتعليقاته الكثيرة . [10]

ـــــــــــــــــ

(1) - الميزان1/556 (2109 )

(2) - ميزان الاعتدال (ج 3 / ص 426) (7015 )

(3) ج 1 / ص 324)

(4) - قرة العين في ضبط رجال الصحيحين ص 8

(5) - إرشاد الساري 1/16

(6) - شرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (ج 1 / ص 518)

(7) - انظر الجزء السابع الحديث رقم (5544)

(8) - انظر منه 1/60 و88 و165 و168

(9) - ص 358 و404

(10) - انظر الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي بتعليق العلامة الشيخ عبد الفتاح أبي غدة رحمه الله من ص 230 فما بعدها الهامش بحث (( سكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي الذي لم يجرح ، ولم يأت بمتنٍ منكر: يعدُّ تعديلًا ) وقد اقتبست منه كثيرا وزدت عليه زيادات كثيرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت