فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 443

فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان، صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان؛ يدل على ذلك أنه قال في حديث جبرائيل: ( هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ) . فجعل الدين هو الإسلام،والإيمان،والإحسان . فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث: مسلم ثم مؤمن ثم محسن،كما قال تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ } [ فاطر: 32 ] ، والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه . وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب،لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن،فإنه معرض للوعيد،كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه .

وأما [ الإحسان ] فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان . و [ الإيمان ] أعم من جهة نفسه،وأخص من جهة أصحابه من الإسلام . فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام،والمحسنون أخص من المؤمنين،والمؤمنون أخص من المسلمين . وهذا كما يقال: في [ الرسالة والنبوة ] ، فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها،وأخص من جهة أهلها؛فكل رسول نبي،وليس كل نبي رسولًا، فالأنبياء أعم، والنبوة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة؛ فإنها لا تتناول الرسالة .

/والنبي صلى الله عليه وسلم فسر [ الإسلام والإيمان ] بما أجاب به، كما يجاب عن المحدود بالحد،إذا قيل: ما كذا ؟ قيل: كذا، وكذا . كما في الحديث الصحيح، لما قيل: ما الغِيبَة ؟ قال: ( ذِكْرُك أخاك بما يَكْرَه ) . وفي الحديث الآخر: ( الكِبْر بَطَر الحق،وغَمْط الناس ) . وبَطَر الحق: جحده ودفعه . وغَمْط الناس: احتقارهم وازدراؤهم .

وسنذكر إن شاء اللّه تعالى سبب تنوع أجوبته، وإنها كلها حق .

ولكن المقصود أن قوله: ( بُنِي الإسلام على خمس ) ، كقوله: ( الإسلام هو الخمس ) كما ذكر في حديث جبرائيل؛ فإن الأمر مركب من أجزاء، تكون الهيئة الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء ومركبة منها؛ فالإسلام مبني على هذه الأركان وسنبين ــ إن شاء اللّه ــ اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بني الإسلام، ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات ؟

وقد فسر [ الإيمان ] في حديث وَفْد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا، لكنه لم يذكر فيه الحج، وهو متفق عليه، فقال: ( آمركم بالإيمان باللّه وحده، هل تدرون ما الإيمان باللّه وحده ؟ ) قالوا: اللّه ورسوله أعلم . قال: ( شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدًا رسول اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم ــ أو خمسًا من المغنم ) .

وقد روى في بعض طرقه: ( الإيمان باللّه، وشهادة أن لا إله إلا اللّه ) .

/لكن الأول أشهر . وفي رواية أبي سعيد: ( آمركم بأربع،وأنهاكم عن أربع: اعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئًا ) ، وقد فسر ـ في حديث شعب الإيمان ـ الإيمان بهذا وبغيره، فقال: ( الإيمان بِضْعٌ وستون ـ أو بضع وسبعون ـ شعبة،أفضلها قول لا إله إلا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبَة من الإيمان ) .

وثبت عنه من وجوه متعددة أنه قال: ( الحياء شعبة من الإيمان ) من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حُصَين،وقال أيضًا: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) ،وقال: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ، وقال: ( واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن، واللّه لا يؤمن ) . قيل: من يا رسول اللّه ؟ قال: ( الذي لا يأمن جاره بوائقه ) ، وقال: ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) . وقال: ( ما بعث اللّه من نبي إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه، ويَسْتَنُّون بسُنَّتِه . ثم إنه يخلف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حَبَّة خَرْدَل ) ،وهذا من أفراد مسلم .

وكذلك في أفراد مسلم قوله: ( والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحَابُّوا،أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ /أفشوا السلام بينكم ) ، وقال في الحديث المتفق عليه ـ من رواية أبي هريرة، ورواه البخاري من حديث ابن عباس ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يَنْتَهِبُ النُّهْبَة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن ) .

فيقال: اسم [ الإيمان ] تارة يذكر مفردًا غير مقرون باسم الإسلام،ولا باسم العمل الصالح،ولا غيرها، وتارة يذكر مقرونًا، إما بالإسلام،كقوله في حديث جبرائيل: ( ما الإسلام وما الإيمان ؟ ) ،وكقوله تعالى: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ِ } [ الأحزاب: 35 ] ،وقوله عز وجل: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا } [ الحجرات: 14 ] ، وقوله تعالى: { فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ } [ الذاريات: 35، 36 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت