فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 443

وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } [ البينة: 7 ] ، وإما مقرونًا بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ } [ الروم: 56 ] ،وقوله: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [ المجادلة: 11 ] . وحيث ذكر الذين آمنوا فقد دخل فيهم الذين أوتوا العلم؛ فإنهم خيارهم، قال تعالى: { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } [ آل عمران: 7 ] ، وقال: { لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } [ النساء: 162 ] .

/ويذكر ـ أيضًا ـ لفظ المؤمنين مقرونًا بالذين هادوا والنصارى والصابئين،ثم يقول: { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة: 62 ] ، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر عَمَّهُم؛ كما عَمَّهُم في قوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ } وسنبسط هذا إن شاء اللّه تعالى .

فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان . وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى . فلما ذكر الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان، والصلاة، والزكاة،والصيام، والحج . وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر . وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الإسلام علانية، والإيمان في القلب ) .

وإذا ذكر اسم الإيمان مجردًا، دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة،كقوله في حديث الشعب: ( الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها: قول لا إله إلا اللّه، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق ) . وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البر من الإيمان .

ثم إن نفي [ الإيمان ] عند عدمها،دل على أنها واجبة، وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ـ ولم ينف إيمانه ـ دل على أنها مستحبة؛ فإن اللّه ورسوله/ لا ينفي اسم مسمى أمر ـ أمر اللّه به، ورسوله ـ إلا إذا ترك بعض واجباته،كقوله: ( لا صلاة إلا بأم القرآن ) ، وقوله: ( لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ) ونحو ذلك .

فأما إذا كان الفعل مستحبًا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز، لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه . وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل ولا أبو بكر ولا عمر . فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل .

فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه، ويتعرض للعقوبة، فقد صدق . وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب،فهذا لم يقع قط في كلام اللّه ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئًا، لم يجز أن يقال: ما فعله لا حقيقة ولا مجازًا . فإذا قال للأعرابي المسيء في صلاته: ( ارجع فَصَلِّ،فإنك لم تُصَلِّ ) ، وقال لمن صلى خلف الصف ـ وقد أمره بالإعادة ـ: ( لا صلاة لفَذٍّ خلف الصف ) كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [ الحجرات: 15 ] ،يبين أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت