فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 443

وكذلك قوله تعالى: { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ النور: 47: 51 ]

فإن قيل: إذا كان المؤمن حقًا هو الفاعل للواجبات التارك للمحرمات، فقد قال: { أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } [ الأنفال: 4 ] ، ولم يذكر إلا خمسة أشياء، وكذلك قال في الآية الأخرى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [ الحجرات: 15 ] ، وكذلك قوله: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } [ النور: 62 ] .

قيل: عن هذا جوابان:

أحدهما: أن يكون ما ذكر مستلزمًا لما ترك؛ فإنه ذكر وَجَلَ قلوبهم إذا ذكر اللّه، وزيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آياته مع التوكل عليه، وإقام الصلاة على الوجه المأمور به باطنًا وظاهرًا، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان هذا مستلزمًا للباقي؛ فإن وَجَل القلب عند ذكر اللّه يقتضي خشيته والخوف منه، وقد فسروا [ وجلت ] بـ [ فرقت ] . وفي قراءة ابن مسعود: [ إذ ذكر الله فرقت قلوبهم ] . وهذا صحيح؛ فإن الوَجَل في اللغة: هو الخوف، يقال: حُمْرَة الخَجَل، وصُفْرَة الوَجَل، ومنه قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُون } [ المؤمنون: 60 ] ، قالت عائشة: يا رسول اللّه، هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب ؟ قال: ( لا يا ابنة الصديق ! هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف ألا يقبل منه ) .

وقال السُّدِّي في قوله تعالى: { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال: 2 ] : هو /الرجل يريد أن يظلم أو يَهِمَّ بمعصية فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } [ النازعات: 40، 41 ] ، وقوله: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن: 46 ] . قال مجاهد وغيره من المفسرين: هو الرجل يَهِمُّ بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي اللّه، فيتركها خوفًا من اللّه .

وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمن خشيته ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور . قال سهل بن عبد اللّه: ليس بين العبد وبين اللّه حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من اللّه . ويدل على ذلك قوله تعالى: { وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } [ الأعراف: 154 ] ، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين يرهبون اللّه .

قال مجاهد وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام اللّه، فيدع الذنب . رواه ابن أبي الدنيا، عن ابن الجَعْدِ، عن شعبة،عن منصور،عنهما، في قوله تعالى: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } . وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى: { أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ البقرة: 5 ] . وهم [ المؤمنون ] ، وهم [ المتقون ] المذكورون في قوله تعالى: { الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 1، 2 ] ، كما قال في آية البر: { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } [ البقرة: 177 ] . وهؤلاء هم المتبعون للكتاب، كما في قوله تعالى: { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } [ طه: 123 ] . وإذا لم يضل فهو متبع مهتد،/ وإذا لم يَشْقَ فهو مرحوم . وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،غير المغضوب عليهم،ولا الضالين . فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبًا عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالين، فتبين أن أهل رهبة اللّه يكونون متقين للّه، مستحقين لجنته بلا عذاب . وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت