فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 443

ومما يدل على هذا المعنى قوله تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } [ فاطر: 28 ] ، والمعنى: أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر اللّه أن كل من خشى اللّه فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } [ الزمر: 9 ] ،والخشية أبدًا متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطًا؛ كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا؛ فأهل الخوف للّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللّه . وقد روى عن أبي حيان التيمي أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم باللّه ليس عالمًا بأمر اللّه، وعالم بأمر اللّه ليس عالمًا باللّه، وعالم باللّه عالم بأمر اللّه . فالعالم باللّه هو الذي يخافه، والعالم بأمر اللّه هو الذي يعلم أمره ونهيه . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( واللّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه،وأعلمكم بحدوده ) .

وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة، لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: / { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } [ إبراهيم: 13، 14 ] ،وقوله: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن: 46 ] ، فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب؛ ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف اللّه . ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } [ النساء: 17 ] .

قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى اللّه فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب . وكذلك قال سائر المفسرين . قال مجاهد: كل عاص فهو جاهل حين معصيته . وقال الحسن وقتادة وعطاء والسُّدِّي وغيرهم: إنما سموا جهالًا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميزين . وقال الزجاج: ليس معنى الآية: أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءًا، وإنما يحتمل أمرين: أحدهما: أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه . والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالًا لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة . فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال: هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية .

والمقصود هنا أن كل عاص للّه فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم/ مطيع للّه، وإنما يكون جاهلًا لنقص خوفه من اللّه؛ إذ لو تم خوفه من اللّه لم يعص . ومنه قول ابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ: كفى بخشية اللّه علمًا، وكفى بالاغترار باللّه جهلًا، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دل على أنه لم يتصوره تصورًا تامًا، ولكن قد يتصور الخبر عنه، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوبًا له ولا مكروهًا، فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هربًا ولا طلبا . وكذلك إذا أخبر بما هو محبوب له ومكروه، ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب .

وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ــ ويروى مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ: [ العلم علمان: فعلم في القلب، وعلم على اللسان . فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة اللّه على عباده ] .

وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى،عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّة، طعمها طَيِّب وريحها طيب . ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها . ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر . ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحَنْظَلَة، طعمها مر، ولا ريح لها ) . وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه، وقد يصدق أنه/ كلام اللّه، وأن الرسول حق، ولا يكون مؤمنا، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم،وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما . لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة . فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة؛ ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل،كما تقدم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت