فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 443

وكذلك لفظ [ العقل ] ـ وإن كان هو في الأصل: مصدر عَقَل يَعْقِل عَقْلًا، وكثير من النظار جعله من جنس العلوم ـ فلابد أن يعتبر مع ذلك أنه علم يعمل بموجبه، فلا يسمى عاقلًا إلا من عرف الخير فطلبه، والشر فتركه؛ ولهذا قال أصحاب النار: { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ الملك: 10 ] ، وقال عن المنافقين: { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ } [ الحشر: 14 ] ، ومن فعل ما يعلم أنه يضره؛ فمثل هذا ما له عقل، فكما أن الخوف من اللّه يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته،وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من اللّه ممتثل لأوامره مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولا . ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى } [ الأعلى: 9: 12 ]

فأخبرَ أن من يخشاه يتذكر، والتذكر هنا مستلزم لعبادته، قال اللّه تعالى: { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ } [ غافر: 13 ] ، وقال: { تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } [ ق: 8 ] ؛ ولهذا قالوا في قوله: / { سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى } : سيتعظ بالقرآن من يخشى اللّه، وفي قوله: { وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ } : إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة . وهذا لأن التذكر التام يستلزم التأثر بما تذكره، فإن تذكر محبوبًا طلبه، وإن تذكر مرهوبًا هرب منه، ومنه قوله تعالى: { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة: 6 ] ، وقال سبحانه: { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ } [ يس: 11 ] ، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، فأَثْبَت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه؛ فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف،فالإنذار مثل التعليم والتخويف، فمن عَلَّمْتَه فتعلَّم فقد تم تعليمه، وآخر يقول: علَّمته فلم يتعلم . وكذلك من خوَّفته فخاف،فهذا هو الذي تم تخويفه . وأما من خُوِّف فما خاف، فلم يتم تخويفه . وكذلك من هديته فاهتدى، ثم هداه، ومنه قوله تعالى: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] ، ومن هديته فلم يهتد ـ كما قال: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } [ فصلت: 17 ] ـ فَلم يتم هداه، كما تقول: قطعته فانقطع،وقطعته فما انقطع .

فالمؤثر التام يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تامًا، والفعل إذا صادف محلًا قابلًا تم، وإلا لم يتم . والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه؛ ولهذا يسمى هذا العلم: الداعي، ويقال: الداعي مع القدرة يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة بل يؤلمه، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة،و الفساد /يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعًا، كالممرور الذي يجد العسل مرًا، فإنه فسد نفس إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه للمرة التي مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [ الأنعام: 109، 110 ] .

وقال تعالى: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [ الصف: 5 ] ، وقال: { وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } [ النساء: 155 ] ،وقال في الآية الأخرى: { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ } [ البقرة: 88 ] . و [ الغلف ] جمع أغلف، وهو ذو الغلاف الذي في غلاف مثل الأقلف، كأنهم جعلوا المانع خلقة، أي خلقت القلوب وعليها أغطية، فقال اللّه تعالى: { بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ } و { طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا } ،وقال تعالى: { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ } [ محمد: 16 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت