فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 443

والناس لهم في مسمى [ الكلام ] و [ القول ] عند الإطلاق أربعة أقوال، فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن جميعًا . وقيل: بل مسماه هواللفظ،المعنى ليس جزء مُسَمَّاه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين إلى السنة، وهو قول النحاة؛ لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ . وقيل: بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه، وهذا قول ابن كُلاَّب ومن اتبعه، وقيل: بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى، وهو قول بعض المتأخرين من الكُلابية، ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام اللّه حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين/ تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائمًا بغير المتكلم،بخلاف الكلام القرآني، فإنه لا يقوم عنده باللّه، فيمتنع أن يكون كلامه، ولبسط هذا موضع آخر .

والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأي أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبًا للّه إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولًا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم، كما سئل سَهْل بن عبد اللّه التَّسْتُرِي عن الإيمان ما هو ؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولًا بلا عمل فهو كُفْر، وإذا كان قولًا وعملًا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولًا وعملًا ونية بلا سنة فهو بدعة .

وأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام، يقول أحدهم القول، ويقول نقيضه، كما هو مذكور في موضعه، ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله: الكلام في طرفين:

أحدهما: أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء ؟

والثاني: هل هي متلازمة في الثبوت ؟

/أما الأول:

فإن الحقيقة الجامعة لأمور ـ سواء كانت في الأعيان أو الأعراض ـ إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها . وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل قد تبقى التسعة، فإذا زال أحد جزئي المركب لا يلزم زوال الجزء الآخر، لكن أكثر ما يقولون زالت الصورة المجتمعة، وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسكنجبين .

فيقال: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقى على تركيبه فهذا لا ينازع فيه عاقل، ولا يدعي عاقل أن الإيمان، أو الصلاة، أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور، إذا زال بعضها بقى ذلك المجتمع المركب كما كان قبل زوال بعضه، ولا يقول أحد: إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض/ أعضائه بقى مجموعًا .

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانِه، أو يُنَصِّرَانِهِ، أو يُمَجِّسَانِهِ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء ) ،فالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء .

وأما زوال الاسم فيقال لهم: هذا ـ أولا ـ بحث لفظي، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ( الإيمان بضع وسبعون شُعْبَة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) كما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، و نحن نسلم لهم أنه ما بقى إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت .

يبقى النزاع: هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء، فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين، منها: ما يكون التركيب شرطًا في إطلاق الاسم، ومنها: ما لا يكون كذلك، فالأول كاسم العشرة، وكذلك السكنجبين، ومنها/ ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك كثير من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك .

وكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، والصدقة، والعلم، ونحو ذلك، مما يدخل فيه أمور كثيرة، يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ [ القرآن ] فيقال على جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمى قرآنا، وقد تسمى الكتب القديمة قرآنًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( خفف على داود القرآن ) ،وكذلك لفظ القول والكلام والمنطق ونحو ذلك، يقع على القليل من ذلك وعلى الكثير .

وكذلك لفظ الذكر والدعاء، يقال للقليل والكثير، وكذلك لفظ الجبل؛ يقال على الجبل وإن ذهب منه أجزاء كثيرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت