ولفظ البحر والنهر؛يقل عليه وإن نقصت أجزاؤه،وكذلك المدينة والدار والقرية والمسجد ونحو ذلك،يقال على الجملة المجتمعة،ثم ينقص كثير من أجزائها والاسم باق،وكذلك أسماء الحيوان والنبات كلفظ الشجرة،يقال على جملتها،فيدخل فيها الأغصان وغيرها،ثم يقطع منها ما يقطع والاسم باق،وكذلك لفظ الإنسان والفرس والحمار،يقال على الحيوان المجتمع الخلق،ثم/يذهب كثير من أعضائه والاسم باق،وكذلك أسماء بعض الأعلام؛ كزيد وعمرو، يتناول الجملة المجتمعة، ثم يزول بعض أجزائها والاسم باق . وإذا كانت المركبات على نوعين، بل غالبها من هذا النوع، لم يصح قولهم: إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي .
ومعلوم أن اسم [ الإيمان ] من هذا الباب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الإيمان بضع وسبعون شعبه، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) . ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان .
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: ( يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان ) ، فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن، والصلاة، والحج، ونحو ذلك، أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل كرمي الجمار، والمبيت بمنى، ونحو ذلك، وفيه أجزاء ينقص بزوالها من كماله المستحب، كرفع الصوت بالإهلال،والرَّمل والاضطباع في الطواف الأول .
وكذلك الصلاة، فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها/ أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة، في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك، وفيها ما له أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو، وأمور ليست كذلك . فقد رأيت أجزاء الشيء تختلف أحكامها شرعًا وطبعًا، فإذا قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة، وهذا خارج من الحقيقة، قيل له: ماذا تريد بالحقيقة ؟ فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال صار صاحبه كافرًا، قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة مسمى [ مسلم ] في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض، بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له، وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك .
وكذلك الإيمان والواجب على غيره مطلق،لا مثل الإيمان الواجب عليه في كل وقت،فإن الله لما بعث محمدا رسولًا إلى الخلق،كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر،وطاعته فيما أمر،ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا .
قال الإمام أحمد: كان بدء الإيمان ناقصًا، فجعل يزيد حتى كمل؛ ولهذا /قال تعالى عام حجة الوداع: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } [ المائدة: 3 ] .
وأيضًا، فبعد نزول القرآن وإكمال الدين، إذا بلغ الرجل بعض الدين دون بعض، كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة، وما بلغه عنه مفصلًا، وأما ما لم يبلغه ولم يمكنه معرفته، فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلا إذا بلغه، وأيضًا . فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانًا جازمًا، ومات قبل دخول وقت الصلاة أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه، فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب عليه قبل ذلك . وكذلك القادر على الحج والجهاد يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل، والعمل بذلك .
فصار ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفس التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف بها العمل أيضًا . ومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر . فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل ـ وإن كان بين جميع هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع؛ كالإقرار بالخالق، وإخلاص الدين له والإقرار برسله واليوم الآخر على وجه الإجمال ـ فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان، كتبعض سائر الواجبات .
/يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطًا في ذلك البعض، وقد لا يكون شرطًا فيه، فالشرط كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم، كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } [ النساء: 150، 151 ] . وقد يكون البعض المتروك ليس شرطًا في وجود الآخر ولا قبوله .