ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوى الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك . / ومن هذا الباب، ما يروي عن الحسن البصري ونحوه من السلف، أنهم سموا الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا قولًا مخالفًا للجمهور، إذا حكوا تنازع الناس في الفاسق المِلِّي، هل هو كافر ؟ أو فاسق ليس معه إيمان ؟ أو مؤمن كامل الإيمان ؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من الفسق ؟ أو منافق، والحسن ـ رحمه الله تعالى ـ لم يقل ما خرج به عن الجماعة، لكن سماه منافقًا على الوجه الذي ذكرناه .
والنفاق ـ كالكفر ـ نفاق دون نفاق؛ ولهذا كثيرًا ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان: أصغر، وأكبر، وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ) فقال أبو بكر: يا رسول الله، كيف ننجو منه، وهو أخفى من دبيب النمل ؟ فقال: ( ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله ؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك، وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ) ، وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) قال الترمذي: حديث حسن .
وبهذا تبين أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه، كما قال: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها و هو مؤمن ) ،ومنه قوله: ( من غَشَّنَا فليس مِنَّا، ومن حمل علينا/ السلاح فليس منا ) . فإن صيغة [ أنا ] و [ نحن ] ونحو ذلك من ضمير المتكلم في مثل ذلك، يتناول النبي صلى الله عليه وسلم،والمؤمنين معه ـ الإيمان المطلق ـ الذي يستحقون به الثواب، بلا عقاب، ومن هنا قيل: إن الفاسق المِلي يجوز أن يقال: هو مؤمن باعتبار، ويجوز أن يقال: ليس مؤمنًا باعتبار .
وبهذا تبين أن الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة، ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على من فسر قوله صلى الله عليه وسلم: ( ليس منا ) : ليس مثلنا، أو ليس من خيارنا، وقال: هذا تفسير المرجئة، وقالوا: لو لم يفعل هذه الكبيرة، كان يكون مثل النبي صلى الله عليه وسلم . وكذلك تفسير الخوارج والمعتزلة، بأنه يخرج من الإيمان بالكلية، ويستحق الخلود في النار، تأويل منكر، كما تقدم، فلا هذا ولا هذا .
ومما يبين ذلك أنه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه،ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المخوف تقتضي خوفه، فنفس العلم والتصديق بالله وما له من الأسماء الحسنى،والصفات العلى يوجب محبة القلب له وتعظيمه وخشيته، وذلك يوجب إرادة طاعته وكراهية معصيته . والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المراد ووجود المقدور عليه منه، فالعبد إذا كان مريدًا /للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة .
وبهذا يزول الاشتباه في هذا المقام، فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا عمل، هل يحصل بها عقاب ؟ وكثر النزاع في ذلك . فمن قال: لا يعاقب احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين: ( إن الله تجاوز لأمتي عما حَدَّثَتْ به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به ) ،وبما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا هَمَّ العبد بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم بحسنة كتبت له حسنة كاملة،فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ) وفي رواية: ( فإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنما تركها من جَرَّائي ) .
ومن قال: يعاقب، احتج بما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار ) ، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال: ( إنه أراد قتل صاحبه ) ،وبالحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي كَبْشَةَ الأنماري عن النبي صلى الله عليه وسلم: في الرجلين الذين أوتى أحدهما علمًا ومالًا فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل أوتي علما ولم يؤت مالا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: ( فهما في الأجر سواء ) ، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علمًا فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: ( فهما في الوِزْر سواء ) .
/والفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله، كما ترك يوسف همه، أثيب على ذلك كما أثيب يوسف؛ ولهذا قال أحمد: الهَمُّ هَمَّانِ: هَمّ خطرات، وهمّ إصرار، ولهذا كان الذي دل عليه القرآن أن يوسف لم يكن له في هذه القضية ذنب أصلًا، بل صرف الله عنه السوء والفحشاء إنه من عباده المخلصين، مع ما حصل من المراودة، والكذب،والاستعانة عليه بالنسوة، وحبسه، وغير ذلك من الأسباب التي لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة،ولكن يوسف اتقى الله وصبر،فأثابه الله برحمته في الدنيا، { وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [ يوسف: 57 ] .