وأما الإرادة الجازمة، فلابد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطوة، أو تحريك بدن، وبهذا يظهر معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار ) فإن المقتول أراد قتل صاحبه فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الذي قال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان،فإنه أراد فعل ما يقدر عليه وهو الكلام،ولم يقدر على ذلك؛ ولهذا كان من دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل أوزار من اتبعه،من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا؛ لأنه أراد ضلالهم ففعل ما يقدر عليه من دعائهم، إذ لا يقدر إلا على ذلك .
/وإذا تبين هذا في الإرادة، والعمل، فالتصديق الذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية؛ لأن النفس فيها قوتان: قوة الشعور بالملائم والمنافي والإحساس بذلك، والعمل والتصديق به، وقوة الحب للملائم والبغض للمنافي، والحركة عن الحس بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة، وإدراك الملائم يوجب اللذة، والفرح والسرور، وإدراك المنافي، يوجب الألم والغم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرَانِه أو يُمَجِّسَانِهِ كما تُنْتِج البهيمةُ بَهِيمةً جَمْعَاء هل تحسون فيها من جَدْعَاء ) .
فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله، تصديقًا به ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه؛ ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: { اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ } [ الفاتحة: 6، 7 ] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون ) ؛ لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته، والنصارى لهم عبادة، وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهم ضلال . هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء/ لهم قصد في الخير بلا معرفة له، وينضم إلى ذلك الظن، واتباع الهوى، فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة، ولا قصد نافع، بل يكون كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب: { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ الملك: 10 ] ، وقال تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [ الأعراف: 179 ] .
فالإيمان في القلب لا يكون إيمانًا بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك،كما أنه لا يكون إيمانًا بمجرد ظن وهوى، بل لابد في أصل الإيمان من قول القلب، وعمل القلب .
وليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق، كما يظنه طائفة من الناس، فإن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهورة مثل: الواحد نصف الاثنين والسماء فوق الأرض، مجيبًا: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر: آمنا له، وللمخبر به: آمنا به، كما قال إخوة يوسف: { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا } [ يوسف: 17 ] أي بمقر لنا، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب،ومنه قوله تعالى: { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ } [ الشعراء: 111 ] ،وقوله تعالى: { يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ التوبة: 61 ] ، وقوله تعالى: { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } [ المؤمنون: 47 ] ، وقوله تعالى: { وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ } [ الدخان: 21 ] ، { فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ } [ يونس: 83 ] أي: أقر له .
/وذلك أن الإيمان يفارق التصديق، أي: لفظًا ومعنى، فإنه ـ أيضًا ـ يقال: صدقته، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: أمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له، وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان، كما يقال: هل أنت مصدق له ؟ لأن الفعل المتعدى بنفسه إذا قدم مفعوله عليه، أو كان العامل اسم فاعل، ونحوه مما يضعف عن الفعل، فقد يعدونه باللام تقوية له، كما يقال: عرفت هذا، وأنا به عارف، وضربت هذا، وأنا له ضارب، وسمعت هذا ورأيته، وأنا له سامع، وراء، كذلك يقال: صدقته وأنا له مصدق، ولا يقال: صدقت له به، وهذا خلاف آمن، فإنه لا يقال إذا أردت التصديق: آمنته كما يقال: أقررت له، ومنه قوله: آمنت له كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ .
والفرق الثاني: ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار .