فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 443

وأما المعنى: فإن الإيمان مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار: مأخوذ من قَرَّ يَقِرُّ، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال: الصدق طمأنينة والكذب رِيبَةٌ، فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام ثم إنه يكون على وجهين:

/أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق، والشهادة ونحوهما . وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار .

والثاني: إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: { أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ } [ آل عمران: 81 ] . وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد، فإنه سبحانه قال: { وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي } فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر؛ لا يقال فيه: آمن له بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنًا للمخبر، إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر ـ المقابل للإيمان ـ في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد؛ فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم،فأبى واستكبر وكان من الكافرين .

وأيضًا، فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار، فإن التصديق/ إخبار بصدق المخبر؛ والتكذيب إخبار بكذب المخبر، فقد يصدق الرجل الكاذب تارة، وقد يكذب الرجل الصادق أخرى، فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها، بخلاف الإيمان والإقرار والإنكار والجحود، ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضًا .

وأيضًا، فالذوات التي تحب تارة وتبغض أخرى، وتوالى تارة وتعادى أخرى، وتطاوع تارة وتعصى أخرى، ويذل لها تارة ويستكبر عنها أخرى، تختص هذه المعاني فيها بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك، وأما لفظ التصديق والصدق ونحو ذلك، فيتعلق بمتعلقها كالحب والبغض، فيقال: حب صادق وبغض صادق، فكما أن الصدق والكذب في إثبات الحقائق ونفيها متعلق بالخبر النافي والمثبت دون الحقيقة ابتداء، فكذلك في الحب والبغض ونحوذلك يتعلق بالحب والبغض، دون الحقيقة ابتداء، بخلاف لفظ الإيمان والكفر فإنه يتناول الذوات بلا واسطة إقرار، أو إنكار، أو حب، أو بغض، أو طمأنينة، أو نفور .

ويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر: ( اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ) ،فقال: ( إيمان بك ) ولم يقل: تصديقًا بك، كما قال: ( تصديقًا بكتابك ) . وقال تعالى عن/ مريم: { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ } [ التحريم: 12 ] ، فجعل التصديق بالكلمات والكتب، ومنه الحديث الذي في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( تَكَفَّل الله لمن خرج في سبيله لا يُخْرِجُه إلا إيمان بي، وتصديق بكلماتي ) ، ويروى: ( إيمان بي،وتصديق برسلي ) ، ويروى: ( لا يخرجه إلا جهاد في سبيل الله وتصديق كلماته ) . ففي جميع الألفاظ جعل لفظ التصديق بالكلمات والرسل .

وكذلك قوله في الحديث الذي في الصحيح ذكر النبي صلى الله عليه وسلم منازل عالية في الجنة،فقيل له: يا رسول الله، تلك منازل لا يبلغها إلا الأنبياء . فقال ( بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين ) . وما يحصى الآن الاستعمال المعروف في كلام السلف، صدقت بالله، أو فلان يصدق بالله، أو صدق بالله ونحو ذلك، كما جاء: فلان يؤمن وآمن بالله وإيمانًا بالله ونؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ونؤمن بالله وحده ونحو ذلك، فإن القرآن والحديث وكلام الخاصة والعامة مملوء من لفظ الإيمان بالله، وآمن بالله، ونؤمن بالله، ويأيها الذين آمنوا، وما أعلم قيل: التصديق بالله، أو صدقوا بالله أو يأيها الذي صدق الله ونحو ذلك، اللهم إلا أن يكون في ذلك شيء لا يحضرني الساعة، وما أظنه .

ولفظ الإيمان يستعمل في الخبر أيضًا، كما يقال: كل آمن بالله أي أقر له، والرسول يؤمن له من جهة أنه مخبر، ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها، كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه . فالإيمان متضمن للإقرار بما أخبر/ به، والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، والأصل في ذلك هو الإخبار بالله وبأسمائه؛ ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره، وإن كان الرسول أخبر بكليهما ثم مجرد تصديقه في الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره، لا باطنًا ولا ظاهرًا ولا محبة لله ولا تعظيم له لم يكن ذلك إيمانًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت