ولهذا لما كانت هذه الوسوسة عارضة لعامة المؤمنين، كما قال تعالى: { أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ } الآيات [ الرعد: 17 ] . فضرب اللّه المثل لما ينزله من الإيمان والقرآن بالماء الذي ينزل في أودية الأرض، وجعل القلوب كالأودية، منها الكبير، ومنها الصغير كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وشربوا، وكانت منها طائفة إنما هي / قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه اللّه بما بعثني به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به ) فهذا أحد المثلين .
والمثل الآخر ما يوقد عليه لطلب الحلية والمتاع، من معادن الذهب والفضة والحديد ونحوه، وأخبر أن السيل يحتمل زبدًا رابيًا ومما يوقدون عليه في النار زبد مثله، ثم قال: { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ } [ الرعد: 17 ] ، الرابي على الماء وعلى الموقد عليه فهو نظير ما يقع في قلوب المؤمنين من الشك والشبهات في العقائد والإرادات الفاسدة كما شكاه الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { فَيَذْهَبُ جُفَاءً } يجفوه القلب فيرميه ويقذفه كما يقذف الماء الزبد ويجفوه { وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ } وهو مثل ما ثبت في القلوب من اليقين والإيمان، كما قال تعالى: { مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ } الآية، إلى قوله: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [ إبراهيم: 24 ـ 27 ] .
فكل ما وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه وألقاه ازداد إيمانًا ويقينًا، كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه للّه ازداد صلاحًا وبرًا وتقوى .
/وأما المنافق فإذا وقعت له الأهواء والآراء المتعلقة بالنفاق لم يكرهها ولم ينفها، فإنه قد وجدت منه سيئة الكفر من غير حسنة إيمانية تدفعها أو تنفيها، والقلوب يعرض لها الإيمان والنفاق، فتارة يغلب هذا، وتارة يغلب هذا .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إن اللّه تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ) كما في بعض ألفاظه في الصحيح، هو مقيد بالتجاوز للمؤمنين، دون من كان مسلمًا في الظاهر، وهو منافق في الباطن وهم كثيرون في المتظاهرين بالإسلام قديمًا وحديثًا . وهم في هذه الأزمان المتأخرة في بعض الأماكن أكثر منهم في حال ظهور الإيمان في أول الأمر، فمن أظهر الإيمان وكان صادقًا مجتنبًا ما يضاده أويضعفه يتجاوز له عما يمكنه التكلم به والعمل به، دون ما ليس كذلك . كما دل عليه لفظ الحديث .
فالقسمان اللذان بينا أن العبد يثاب فيهما ويعاقب على أعمال القلوب خارجة من هذا الحديث، وكذلك قوله: ( من هم بحسنة ) ، ( من هم بسيئة ) إنما هو في المؤمن الذي يهم بسيئة أو حسنة يمكنه فعلها فربما فعلها وربما تركها؛ لأنه أخبر أن الحسنة تضاعف بسبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة .
/وهذا إنما هو لمن يفعل الحسنات للّه . كما قال تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } [ البقرة: 261 ] ، و { ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } [ البقرة: 265 ] ، و { ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ } [ الليل: 20 ] وهذا للمؤمنين؛ فإن الكافر وإن كان اللّه يطعمه بحسناته في الدنيا، وقد يخفف عنه بها في الآخرة، كما خفف عن أبي طالب لإحسانه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يوعد لكافر على حسناته بهذا التضعيف، وقد جاء ذلك مقيدًا في حديث آخر: إنه في المسلم الذي هو حسن الإسلام .
واللّه ـ سبحانه ـ أعلم، والحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
فصل -) أفضل أولياء الله الأنبياء ) (1)
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، وقد رتب الله عباده السعداء المنعم عليهم [ أربع مراتب ] فقال تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [ النساء: 69 ] .
وفي الحديث: ( ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبى بكر ) وأفضل الأمم أمة محمد صلى الله علية وسلم . قال تعالى: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } [ آل عمران: 110 ] وقال تعالى: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } [ فاطر: 32 ] ، وقال النبي صلى الله علية وسلم في الحديث الذي في المسند: ( أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ) .
وأفضل أمة محمد صلى الله علية وسلم القرن الأول .
وقد ثبت عن النبي صلى الله علية وسلم من غير وجه أنه قال: ( خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ) وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه ) .
(1) - مجموع الفتاوى - (ج 11 / ص 221)