وفي الصحيحين أيضًا عنه صلى الله علية وسلم أنه قال: ( لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) .
والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة، قال تعالى: { لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } [ الحديد: 10 ] ، وقال تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } [ التوبة: 100 ] والسابقون الأولون الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح صلح الحديبية فإنه كان أول فتح مكة، وفيه أنزل الله تعالى: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [ الفتح: 1، 2 ] ، فقالوا: يا رسول الله، أو فتح هو ؟ ! قال: ( نعم ) .
وأفضل السابقين الأولين [ الخلفاء الأربعة ] وأفضلهم أبو بكر ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها، وقد دلت على ذلك دلائل بسطناها في [ منهاج/ أهل السنة النبوية، في نقض كلام أهل الشيعة والقدرية ] .
وبالجملة، اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة، وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول صلى الله علية وسلم واتباعًا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه، وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملًا به، فهو أفضل أولياء الله إذ كانت أمة محمد صلى الله علية وسلم أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد صلى الله علية وسلم، وأفضلهم أبو بكر ـ رضي الله عنه .
وقد ظن طائفة غالطة أن [ خاتم الأولياء ] أفضل الأولياء قياسًا على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن على الحكيم الترمذى، فإنه صنف مصنفًا غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته كما يزعم ذلك ابن عربى صاحب [ كتاب الفتوحات المكية ] و [ كتاب الفصوص ] فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا قرآن .
/ذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة، والأنبياء ـ عليهم أفضل الصلاة والسلام ـ أفضل من الأولياء فكيف الأنبياء كلهم ؟ والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتى بعدهم ويدعى أنه خاتم الأولياء ؟ ! وليس آخر الأولياء أفضلهم، كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد صلى الله علية وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك . كقوله صلى الله علية وسلم: ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) ، وقوله: ( آتى باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن: من أنت ؟ فأقول:( محمد ) ، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك ) .
و [ ليلة المعراج ] رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم فكان أحقهم بقوله تعالى: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } [ البقرة: 253 ] ، إلى غير ذلك من الدلائل، كل منهم يأتيه الوحي من الله، لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن في نبوته محتاجًا إلى غيره، فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق، بخلاف المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة، وجاء المسيح فكملها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح؛ كالتوراة والزبور، وتمام الأربع وعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين، بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدَّث، بل جمع له من الفضائل والمعارف/ والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله الله به من الله بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر .
وهذا بخلاف [ الأولياء ] فإن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليًا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليًا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه .
ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد، وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة؛ فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدًا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارًا بذلك، وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدًا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن، آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ، وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة .