فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 443

/فإذا ادعى المدعي أن محمدًا صلى الله عليه وسلم إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة، فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول: أومن ببعض، وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين .

وهؤلاء الملاحدة يدعون أن [ الولاية ] أفضل من [ النبوة ] ويلبسون على الناس فيقولون: ولايته أفضل من نبوته وينشدون:

مقام النبوة في برزخ ** فويق الرسول ودون الولي

ويقولون: نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ولا موسى، فضلا عن أن يماثله هؤلاء الملحدون .

وكل رسول نبي ولي، فالرسول نبي ولي . ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته متضمنة لولايته، وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع، فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليًا لله، ولا تكون مجردة عن ولايته، ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في ولايته .

/وهؤلاء قد يقولون ـ كما يقول صاحب [ الفصوص ] ابن عربي ـ: إنهم يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول؛ وذلك أنهم اعتقدوا [ عقيدة المتفلسفة ] ثم أخرجوها في قالب [ المكاشفة ] ، وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا: إن الأفلاك قديمة أزلية لها علة تتشبه بها، كما يقوله أرسطو وأتباعه؛ أو لها موجب بذاته كما يقوله متأخروهم: كابن سينا وأمثاله، ولا يقولون: إنها لرب خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا خلق الأشياء بمشيئته وقدرته، ولا يعلم الجزئيات؛ بل إما أن ينكروا علمه مطلقًا، كقول أرسطو، أو يقولوا: إنما يعلم في الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن سينا، وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها، فإن كل موجود في الخارج فهو معين جزئي: الأفلاك كل معين منها جزئي، وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات، والكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان .

والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر في [ درء تعارض العقل والنقل ] وغيره .

فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي العرب، فإن جميع هؤلاء يقولون: إن الله خلق السموات والأرض، وأنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته، وأرسطو ونحوه من المتفلسفة/ واليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة والأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك، وإنما غالب علوم القوم الأمور الطبيعية، وأما الأمور الإلهية فكل منهم فيها قليل الصواب، كثير الخطأ، واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم كابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا أشياء من أصول الجهمية والمعتزلة، وركبوا مذهبًا قد يعتزى إليه متفلسفة أهل الملل؛ وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع .

وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قد بهر العالم، واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم أعظم ناموس طرق العالم، ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن . أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان الذين هم أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأولئك قد أثبتوا عقولًا عشرة يسمونها [ المجردات ] و [ المفارقات ] . وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، وسموا تلك [ المفارقات ] لمفارقتها المادة وتجردها عنها، وأثبتوا الأفلاك لكل فلك نفسًا، وأكثرهم جعلوها أعراضًا، وبعضهم جعلها جواهر .

وهذه [ المجردات ] التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور/ موجودة في الأذهان لا في الأعيان، كما أثبت أصحاب أفلاطون [ الأمثال الأفلاطونية المجردة ] أثبتوا هيولي مجردة عن الصورة، ومدة وخلاء مجردين . وقد اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان، فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبت أمر النبوات على أصولهم الفاسدة، وزعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبي:

الأول: أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها من العلم بلا تعلم .

الثاني: أن يكون له قوة تخيلية تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في نفسه صورًا أو يسمع في نفسه أصواتًا كما يراه النائم ويسمعه ولا يكون لها وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله وتلك الأصوات هي كلام الله تعالى .

الثالث: أن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولي العالم وجعلوا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة، هي قوى النفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم من قلب العصا حية، دون انشقاق القمر ونحو ذلك، فإنهم ينكرون وجود هذا .

/وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع، وبينا أن كلامهم هذا أفسد الكلام، وإن هذا الذي جعلوه من الخصائص يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء، وإن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون، كما قال تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ } [ المدثر: 31 ] ، وليسوا عشرة، وليسوا أعراضًا، لا سيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو [ العقل الأول ] ، وعنه صدر كل ما دونه، و [ العقل الفعال العاشر ] رب كل ما تحت فلك القمر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت