فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 443

وهذا كله يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل، فليس أحد من الملائكة مبدع لكل ما سوى الله . وهؤلاء يزعمون أنه العقل المذكور في حديث يروى: ( أن أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، فقال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي، ولك الثواب وعليك العقاب ) . ويسمونه أيضًا [ القلم ] لما روى: ( إن أول ما خلق الله القلم ) الحديث رواه الترمذي .

والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم البستي والدارقطني وابن الجوزي وغيرهم، وليس في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، ومع /هذا فلفظه لو كان ثابتًا حجة عليهم، فإن لفظه: ( أول ما خلق الله تعالى العقل قال له ) ويروي: ( لما خلق الله العقل قال له ) فمعنى الحديث: أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، ليس معناه أنه أول المخلوقات و [ أول ] منصوب على الظرف كما في اللفظ الآخر [ لما ] وتمام الحديث: ( ما خلقت خلقًا أكرم علي منك ) فهذا يقتضي أنه خلق قبله غيره، ثم قال: ( فبك آخذ، وبك أعطي، ولك الثواب، وعليك العقاب ) فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي والسفلي صدر عن ذلك العقل . فأين هذا من هذا ؟ !

وسبب غلطهم أن لفظ [ العقل ] في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونان، فإن [ العقل ] في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلًا، كما في القرآن: { وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [ النحل: 12 ] ، { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } [ الحج: 46 ] ويراد [ بالعقل ] الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها .

وأما أولئك فـ [ العقل ] عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل، وليس هذا مطابقًا للغة الرسل والقرآن . وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد عالم الأجسام العقل والنفوس فيسميها عالم الأمر، وقد يسمى [ العقل ] عالم الجبروت و [ النفوس ] عالم الملكوت؛ و [ الأجسام ] /عالم الملك، ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب والسنة أن ما في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا، وليس الأمر كذلك .

وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيسًا كثيرًا، كإطلاقهم أن [ الفلك ] محدث: أي معلول مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقًا بالعدم، ليس في لغة العرب ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثًا، والله قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل، ولا أحكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا، ولا للأعداء كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك، كما قد بسط في غير هذا الموضع .

وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون [ جبريل ] هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم [ أولياء الله ] ، وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة كابن عربي صاحب [ الفتوحات ] و [ الفصوص ] ، فقال: / إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول، و [ المعدن ] عنده هو العقل و [ الملك ] هو الخيال، و [ الخيال ] تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي ولو كان خاصة النبي ما ذكروه لم يكن هو من جنسه، فضلا عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين ؟ ! والنبوة أمر وراء ذلك، فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية، فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل العلم، فضلا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة: كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهم ـ رضوان الله عليهم أجمعين .

والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء كقوله تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } [ الأنبياء: 26: 29 ] ، وقال تعالى: { وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى } [ النجم: 26 ] ، وقال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [ سبأ: 22، 23 ] ، وقال تعالى: { وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ } [ الأنبياء: 19، 20 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت