وكان [ إبراهيم التيمي ] يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئًا وخرج يمتار لأهله طعامًا فلم يقدر عليه فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء فكان إذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبًا متراكبًا .
وكان [ عتبة الغلام ] [ عتبة الغلام هو: عتبة بن أبان البصري الزاهد، الخاشع الخائف . قال سلمة الفراء: كان عتبة الغلام من نساك أهل البصرة، يصوم الدهر، ويأوى السواحل والجبانة . قال أبو عمر البصري: كان رأس مال عتبة فلسًا، يشتري به خوصا، يعمله ويبيعه بثلاثة فلوس فيتصدق بفلس، ويتعشى بفلس، وفلس رأس ماله . [ سير أعلام النبلاء: 7/62 ] . سأل ربه ثلاث خصال: صوتًا حسنًا، ودمعًا غزيرًا، وطعامًا من غير تكلف . فكان إذا قرأ بكى وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوى إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا يدري من أين يأتيه .
وكان [ عبد الواحد بن زيد ] أصابه الفالج فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء فكانت وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعده .
وهذا باب واسع قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع .
وأما ما نعرفه عن أعيان ونعرفه في هذا الزمان فكثير .
/ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها الضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوى إيمانه ويسد حاجته ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيًا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها لا لنقص ولايته؛ ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من يجري على يديه الخوارق لهدى الخلق ولحاجتهم فهؤلاء أعظم درجة .
وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال [ عبد الله بن صياد ] الذي ظهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان قال له: النبي صلى الله عليه وسلم قد خبأت لك خبأ ) قال: الدخ الدخ . وقد كان خبأ له سورة الدخان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( اخسأ فلن تعدو قدرك ) يعني: إنما أنت من إخوان الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الملائكة تنزل في العنان ـ وهو السحاب ـ فتذكر الأمر قضى في السماء فتسترق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ) .
/وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه ؟ ) قالوا: كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإنه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء،ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: ماذا قال ربنا ؟ فيخبرونهم،ثم يستخبر أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا،وتخطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم،فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون ) .
وفي رواية: قال معمر: قلت للزهرى: أكان يرمى بها في الجاهلية ؟ قال: نعم ولكنها غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم .
و [ الأسود العنسي ] الذي ادعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره فقتلوه .
/وكذلك [ مسيلمة الكذاب ] كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات ويعينه على بعض الأمور، وأمثال هؤلاء كثيرون مثل [ الحارث الدمشقي ] الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان وادعى النبوة وكانت الشياطين يخرجون رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده،وكان يرى الناس رجالًا وركبانًا على خيل في الهواء ويقول: هي الملائكة، وإنما كانوا جنًا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك: إنك لم تسم الله،فسمى الله فطعنه فقتله .
وهكذا أهل [ الأحوال الشيطانية ] تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها مثل آية الكرسي، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة الفطر فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما فعل أسيرك البارحة ) فيقول: زعم أنه لا يعود، فيقول: ( كذبك وإنه سيعود ) فلما كان في المرة الثالثة . قال: دعني حتى أعلمك ما ينفعك: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة: 255 ] إلى آخرها، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صدقك وهو كذوب ) وأخبره أنه شيطان .