وقال عن المنافقين: { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ } [ البقرة: 14 ] ، كما قال عن الكفار المنافقين من أهل الكتاب: { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عليكم لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ البقرة: 76 ] . وقال: { أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ } ، نزلت فيمن تولي إليهود من المنافقين وقال: { مَّا هُم مِّنكُمْ } ، ولا من إليهود، { وَيَحْلِفُونَ على الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } إلى قوله: { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَإلىوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [ المجادلة: 14 ـ 22 ] . وقال: { أَلَمْ تَر إلى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ } [ الحشر: 11 ] إلى تمام القصة، وقال: { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا على أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَي الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَي لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } [ محمد: 25، 26 ] .
وتبين أن موالاة الكفار كانت سبب ارتدادهم على أدبارهم؛ ولهذا ذكر في [ سورة المائدة ] أئمة المرتدين عقب النهى عن موالاة الكفار قوله: { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } [ المائدة: 51 ] . وقال: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ } [ المائدة: 41 ] .
فذكر المنافقين، والكفار المهادنين، وأخبر أنهم يسمعون لقوم آخرين لم يأتوك، وهو استماع المنافقين والكفار المهادنين للكفار المعلنين الذين لم يهادنوا، كما أن في المؤمنين من قد يكون سماعا للمنافقين كما قال: { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } [ التوبة: 47 ] .
وبعض الناس يظن أن المعني: سماعون لأجلهم، بمنزلة الجاسوس ، أي: يسمعون ما يقول وينقلونه إليهم، حتى قيل لبعضهم: أين في القرآن الحيطان لها آذان ؟ قال: في قوله: { وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } . وكذلك قوله: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِب } [ المائدة: 42 ] . أي: ليكذبوا: إن اللام لام التعدية، لا لام التبعية؛ وليس هذا معني الآيتين، وإنما المعني فيكم من يسمع لهم، أي: يستجيب لهم ويتبعهم . كما في قوله: [ سمع اللّه لمن حمده ] استجاب اللّه لمن حمده، أي: قبل منه، يقال: فلان يسمع لفلان، أي: يستجيب له ويطيعه .
وذلك أن المسمع وإن كان أصله نفس السمع الذي يشبه الإدراك، لكن إذا كان المسموع طلبًا، ففائدته وموجبه الاستجابة والقبول . وإذا كان المسموع خبرا، ففائدته التصديق والاعتقاد، فصار يدخل /مقصوده وفائدته في مسماه نفيا وإثباتا،فيقال: فلان يسمع لفلان، أي: يطيعه في أمره، أو يصدقه في خبره . وفلان لا يسمع ما يقال له، أي: لا يصدق الخبر ولا يطيع الأمر، كما بين اللّه السمع عن الكفار في غير موضع، كقوله: { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء } [ البقرة: 171 ] ، وقوله: { وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء } [ الأنبياء: 45 ] ؛ وذلك لأن سمع الحق يوجب قبوله إيجاب الإحساس بالحركة، وإيجاب علم القلب حركة القلب، فإن الشعور بالملائم يوجب الحركة إليه، والشعور بالمنافر يوجب النفرة عنه . فحيث انتفي موجب ذلك، دل على انتفاء مبدئه؛ ولهذا قال تعإلى: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَي يَبْعَثُهُمُ اللّهُ } [ الأنعام: 36 ] .